تنوير النعمان حبيب الله الفرصة تمر من أمامنا… فهل نملك شجاعة الإمساك بها؟”
تنوير النعمان حبيب الله الفرصة تمر من أمامنا… فهل نملك شجاعة الإمساك بها؟"

تنوير
النعمان حبيب الله الفرصة تمر من أمامنا… فهل نملك شجاعة الإمساك بها؟”
—————-
بينما يعيد العالم ترتيب طرق التجارة تحت ضغط التوترات في مضيق هرمز، تتجه الأنظار إلى البحر الأحمر كخيار استراتيجي لا غنى عنه، ليس كبديل مؤقت، بل كممر قد يفرض نفسه في معادلة الطاقة والتجارة العالمية.
وفي قلب هذا التحول، يجلس السودان… موقعاً لا يمكن تجاهله، لكنه حتى الآن لم يُستثمر كما ينبغي.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا تجميل، أن مشكلتنا لم تكن يوماً في غياب الفرص، بل في عجزنا المزمن عن التقاطها في الوقت المناسب. نملك ساحلاً ممتداً، ونقع في منتصف خط ملاحي حيوي، ونمتلك ميناءً مثل ميناء بورتسودان، لكنه ظل لسنوات يعمل بأقل من طاقته، كأننا لا ندرك قيمته في عالم يتسابق على كل متر على هذا البحر.
وفي وقت تبحث فيه السفن عن موانئ آمنة وسريعة الخدمة، لا يكفي أن نملك الجغرافيا، بل يجب أن نملك القدرة على تحويلها إلى قيمة اقتصادية حقيقية. وهذا لن يحدث إلا بقرار سيادي شجاع يعيد تعريف البحر الأحمر كمنطقة اقتصادية لوجستية خاصة، تُدار بعقل مختلف وقوانين مرنة تتجاوز التعقيدات التي ظلت تعطل كل مشروع واعد.
ولأن الدولة ليست مطالبة بأن تدير كل شيء بنفسها، فإن فتح الباب أمام شركات عالمية لتشغيل الموانئ، مع احتفاظ الدولة بالملكية، لم يعد خياراً نظرياً بل ضرورة عملية أثبتت نجاحها في تجارب كثيرة حول العالم. فالكفاءة اليوم هي ما يحدد من يبقى في السوق، وليس الشعارات.
ومع تزايد الضغط على هذا الممر الحيوي، تبرز الحاجة إلى بناء منظومة متكاملة حول الميناء، تشمل خدمات تموين السفن بالوقود، والصيانة البحرية، ومناطق التخزين والإمداد، وهي خدمات لم تعد رفاهية بل شرطاً أساسياً لدخول أي ميناء في المنافسة الإقليمية.
غير أن كل ذلك يظل بلا قيمة في غياب الأمن، فالسفن لا تغامر بالدخول إلى موانئ مضطربة، والاستثمار لا يبحث عن بيئة غير مستقرة. لذلك فإن أي حديث عن نهضة بحرية دون استقرار أمني ونظام رقابي صارم، يظل مجرد تمنيات لا أكثر.
وفي سعيه لاقتناص هذه الفرصة، لن يتحرك السودان في فراغ، بل في عالم تتنافس فيه القوى الاقتصادية على المواقع الاستراتيجية. وهنا تبرز دول مثل المملكة العربية السعودية التي تملك مصلحة مباشرة في استقرار وتطوير البحر الأحمر، إلى جانب الصين التي تدفع بمشاريع مبادرة الحزام والطريق بحثاً عن ممرات آمنة، وكذلك الولايات المتحدة التي تنظر إلى هذه المنطقة من زاوية أمن الطاقة، إضافة إلى دول أوروبية مثل هولندا وألمانيا بخبراتها العريقة في إدارة الموانئ والخدمات اللوجستية، فضلاً عن نموذج سنغافورة الذي أثبت أن الإدارة يمكن أن تصنع المعجزات حتى في غياب الموارد.
لكن الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها، أن هذه الدول لا تأتي بدافع المساعدة، بل بدافع المصلحة. وإذا لم يملك السودان رؤية واضحة وقدرة تفاوضية قوية، فقد يجد نفسه يفقد السيطرة على أصوله الاستراتيجية، أو يتحول إلى مجرد موقع يُستغل دون أن يجني العائد الحقيقي.
ما يحدث اليوم حول مضيق هرمز قد يفتح باباً تاريخياً نادراً، لكن هذا الباب لن يظل مفتوحاً طويلاً، والعالم لن ينتظر دولة لم تحسم خياراتها بعد.
السؤال لم يعد ما إذا كانت هناك فرصة… بل ما إذا كان لدينا ما يكفي من الإرادة لنكون جزءاً منها.
فإما أن يتحول السودان إلى رقم صعب في معادلة البحر الأحمر…
أو يظل مجرد شاطئ تمر من أمامه السفن… دون أن تتوقف.




