العيد في بلادي … أكثررمنومعنى بقلم: نوراني محمد عبدالرحمن
العيد في بلادي … أكثررمنومعنى بقلم: نوراني محمد عبدالرحمن

العيد في بلادي … أكثررمنومعنى
بقلم: نوراني محمد عبدالرحمن
يمثل عيد الفطر المبارك في وجدان السودانيين أكثر من مجرد مناسبة دينية عابرة؛ فهو موسم للفرح، وموعد تتجدد فيه معاني التراحم والتكافل، وتتجسد فيه أسمى قيم التواصل الاجتماعي وصلة الأرحام. ففي هذا اليوم تتلاشى المسافات بين الناس، وتتعانق القلوب قبل الأيادي، وتعود للمجتمع السوداني صورته الزاهية التي عُرف بها عبر التاريخ؛ مجتمعاً متماسكاً، متراحماً، قادراً على تحويل الألم إلى أمل.
غير أن العيد هذا العام يأتي محملاً بدلالات أعمق ومعانٍ أكبر، بعد أن مرّ الوطن بظروف استثنائية قاسية تركت آثارها على الإنسان والمكان. فقد عانت الخرطوم، قلب البلاد النابض، من ويلات الحرب، حين عاثت المليشيات فيها فساداً ودماراً، ومارست القتل والترويع وانتهاك الحرمات، فامتدت يد الخراب إلى البيوت والشوارع وذاكرة المدينة نفسها.
لكن، وبرغم قسوة المشهد ومرارة الفقد، يجيء العيد ليعلن أن الحياة في السودان لا تنكسر، وأن هذا الشعب يمتلك قدرة فريدة على النهوض بعد كل محنة. فها هي ملامح التعافي تلوح في الأفق، وتعود الخرطوم تدريجياً إلى حضن الوطن، لتستعيد شيئاً من عافيتها وروحها التي حاولت الحرب أن تطفئها.
العيد هذا العام ليس مجرد طقس اجتماعي، بل هو رسالة صمود وأمل. إنه مناسبة يستعيد فيها المجتمع السوداني ذاكرته الجمعية المليئة بقيم التسامح والتراحم، حيث تتلاقى الأسر، وتتجدد الزيارات، وتتبادل التهاني، وتتعالى ضحكات الأطفال في الأزقة والبيوت كأنها إعلان جماعي بانتصار الحياة على الخراب.
ومع ذلك، لا يمكن للفرح أن يكتمل دون استحضار أولئك الذين تركتهم الحرب خلفها: الأيتام الذين فقدوا آباءهم، والأرامل اللائي فقدن السند، والأسر التي شردتها نيران النزاع من ديارها. وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للعيد، حين يتحول من مناسبة للاحتفال إلى مناسبة للتكافل والتراحم، يتسابق فيها الناس إلى جبر الخواطر وإحياء معاني التضامن الاجتماعي التي طالما ميزت المجتمع السوداني.
إن العيد في بلادنا ليس مجرد مناسبة دينية تتكرر كل عام، بل هو مرآة تعكس روح المجتمع وقدرته على التماسك في أوقات الشدة. ففي لحظات الفرح الجماعي تتجدد الثقة بالمستقبل، ويستعيد الناس إيمانهم بأن الوطن، مهما تعاظمت جراحه، قادر على التعافي واستعادة عافيته.
وهكذا يطل العيد هذا العام حاملاً رسالة مزدوجة: رسالة وفاء لذكريات الألم التي لا ينبغي أن تُنسى، ورسالة أمل بأن السودان، بإرادة أبنائه ووحدة مجتمعه، قادر على تجاوز المحنة وبناء مستقبل أكثر أمناً وعدلاً واستقراراً.
فالعيد في بلادي… ليس يوماً للفرح فحسب، بل وعدٌ متجدد بأن هذا الوطن، مهما أثقلته الجراح، سيظل قادراً على النهوض وصناعة الحياة من جديد.




