تنوير النعمان حبيب الله —————- لجنة لاستقبال العائدين… أم لجنة لاستقبال معاناتهم
تنوير النعمان حبيب الله ---------------- لجنة لاستقبال العائدين… أم لجنة لاستقبال معاناتهم

تنوير
النعمان حبيب الله
—————- لجنة لاستقبال العائدين… أم لجنة لاستقبال معاناتهم؟
____________
في بلدٍ أنهكته الحرب، واستنزفت موارده حتى صار كل جنيهٍ فيه محسوباً، يخرج علينا قرار بتكوين لجنة وزارية كاملة الدسم لاستقبال العائدين من اللجوء والنزوح.
ولجان السودان ـ كما يعرف الناس ـ لا تأتي وحدها.
تأتي معها:
بدلات…
مخصصات…
اجتماعات…
سفريات…
ونثريات.
أموال من خزينة دولة تقاتل من أجل البقاء،
تُصرف على اجتماعات المسؤولين،
بينما العائدون أنفسهم أشد الناس حاجة إلى هذه الأموال.
هذه النثريات التي تُصرف في قاعات الاجتماعات
كان يمكن أن تتحول إلى:
رقابة على البصات،
تنظيم لرحلات العودة،
مساعدة للأسر التي فقدت كل شيء في الحرب،
أو دعماً حقيقياً لمن عادوا إلى بيوت نهبت أو أحياء مدمرة.
لكن يبدو أن اللجنة في السودان أهم من الحل
يا سادة…
العائدون لا يحتاجون لجنة.
العائدون يحتاجون دولة.
العائدون الذين قرروا العودة طوعاً إلى وطنٍ ما زالت جراحه مفتوحة، لم ينتظروا بساطاً أحمر ولا لافتات ترحيب ولا كلمات بروتوكولية.
عادوا لأن الوطن يسكن في صدورهم، لأن الأرض تنادي أبناءها، لأن الغربة مهما طالت تبقى غربة.
لكن ما الذي وجدوه؟
وجدوا الفوضى.
البصات التي تقلهم تتحول إلى مخازن عفش متحركة،
العفش أكثر من الركاب وتدفع فيه دم قلبك
والأجساد متكدسة كأنها شحنة بضائع لا بشر.
لا رقابة…
لا تنظيم…
لا احترام لإنسان دفع من عمره وكرامته ثمن هذه الحرب.
فهل الحل هو لجنة جديدة؟
يا سعادة وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية
العائدون لا يحتاجون لجنة استقبال في الخرطوم أو في بورتسودان.
هم يحتاجون فقط إلى أشياء بسيطة جداً، لكنها في هذا البلد تبدو كأنها معجزات:
وسيلة نقل آمنة ومحترمة تعيدهم إلى بيوتهم.
رقابة على شركات النقل التي استباحت جيوب الناس وكرامتهم.
تنفيذ قرار إعفاء عفشهم من رئيس مجلس الوزراء ومقتنياتهم التي عاشوا بها سنوات الغربة.
وقبل كل ذلك… شيء من الاحترام لإنسان أنهكته الحرب والنزوح.
لكن ما يحدث اليوم هو العكس تماماً.
بدلاً من حل المشكلات الحقيقية،
نُنشئ لجاناً.
في السودان، عندما تعجز الدولة عن الفعل…
تكوّن لجنة.
وعندما تخاف من القرار…
تكوّن لجنة.
وعندما تريد دفن المشكلة بهدوء…
تكوّن لجنة.
اللجان في هذا البلد صارت مثل المسكنات،
تُسكّن الألم قليلاً، لكنها لا تعالج المرض.
وأخطر ما في الأمر أن من يتخذون هذه القرارات ينظرون إلى الواقع من خلف المكاتب، لا من مقاعد البصات المكتظة، ولا من معابر العودة، ولا من وجوه الناس التي أكلها التعب.
أنا لا أكتب هذا من باب التنظير.
أنا واحد من هؤلاء العائدين.
عدت طوعاً…
على حسابي…
حاملاً ما تبقى من حياتي في حقيبة وعفشي الذي جمعته خلال سنوات الغربة لم استطع ان اشحنه لغلاء الشحن والذي يقدر بنصف قيمته وللجمارك الكبيرة المفروضة عليه فبعته بتراب القروش حتي لا يكون عبئا علي… يعني فقدت عفشي مرتين.. عندما استباح المتمردين بيوتنا وتمت سرقت كل شئ فيها ومرة لجشع شركات الشحن وتنصل الحكومة من الاعفاء الجمركي للعفش الخاص
وعندما عدت…
رأيت ما لا يُكتب.
هوان…
استغلال…
وفوضى لا تليق ببلدٍ يحترم مواطنيه.
لذلك أقولها بوضوح:
يا سادة…
العائدون لا يريدون لجاناً.
يريدون دولة ترى معاناتهم قبل أن ترى أوراقها.
يريدون قراراً يُنفذ لا اجتماعاً يُعقد.
ويريدون مسؤولين ينظرون إلى الناس لا إلى ما تحت أقدامهم.
فإن كنتم فعلاً تريدون استقبال العائدين…
استقبلوهم بالعدل.
استقبلوهم بالقانون.
استقبلوهم بكرامة المواطن السوداني.
أما اللجان…
فقد شبعت منها هذه البلاد حتى التخمة.




