شيخ الطريقة… حين يتحول الجهل إلى منصة وعظ د.أيمن محجوب عبد الله محمد
شيخ الطريقة… حين يتحول الجهل إلى منصة وعظ د.أيمن محجوب عبد الله محمد

شيخ الطريقة… حين يتحول الجهل إلى منصة وعظ
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
في الأزمنة التي يختلط فيها الصوت العالي بالحكمة، ويظن بعض الناس أن كثرة المريدين دليل على عمق العلم، يخرج علينا أحيانًا من يتصدر المشهد بلباس المشيخة، وهو في الحقيقة لم يحمل من زاد العلم إلا القليل. شيخ طريقة يسخر من شباب حفظوا حديثًا أو حديثين، أو اجتهدوا في تعلم شيء من السنة، فيتهمهم بالتنظير والتشدد، وكأن طلب العلم صار جريمة، وكأن حفظ حديث من كلام النبي ﷺ عيب يستوجب السخرية.
العجيب أن هذا الشيخ نفسه – إن فتشت في رصيده العلمي – لا تجد إلا بقايا محفوظات متواضعة؛ ربما جزء عمّ من القرآن، وحديثًا أو حديثين من السنة، ثم بعد ذلك ينصّب نفسه قاضيًا على الناس، يوزع الاتهامات ويحتكر الفهم. ولو كان في الأمر تواضع لكان مقبولًا، لكن المشكلة حين يتحول هذا القليل إلى منصة للتعالي على الآخرين.
إن الطريق إلى الله لا يُبنى بالاستهزاء بطلبة العلم، ولا بالسخرية ممن يحاولون فهم دينهم. بل إن أول ما ينبغي على من يتصدر للناس أن يتأدب بأدب العلم: تواضع، وإنصاف، واحترام للقرآن والسنة. فكيف يليق بشيخ طريقة أن يسخر ممن يحفظ حديثًا، بينما الطريق نفسه – إن كان طريقًا صحيحًا – لا يقوم إلا على كتاب الله وسنة رسوله؟
إن المشيخة ليست عمامة تُلبس، ولا حلقة مريدين تلتف حول صاحبها، بل هي مسؤولية ثقيلة أساسها العلم والعمل. ومن أراد أن يكون مرشدًا للناس فليبدأ بنفسه: ليتفقه في الدين، وليغترف من القرآن حتى يرتوي، وليحفظ من السنة ما يقيم به الحجة على نفسه قبل غيره. أما أن يكون الشيخ قليل الزاد من العلم، كثير السخرية من طلابه، فهذه مفارقة تثير الأسى قبل أن تثير الغضب.
والأشد مرارة أن يتحول بعض هؤلاء إلى ما يشبه “مشايخ الفن والموضة”، يظهرون في المجالس والوسائط الاجتماعية بخفة وسخرية، وكأن الطريق الروحي صار عرضًا للترفيه لا مدرسة لتزكية النفس. وهنا تضيع هيبة العلم، ويتحول الدين إلى مادة للمزاح أو الاستعراض.
إن احترام القرآن والسنة ليس شعارًا يُرفع، بل هو التزام علمي وأخلاقي. ومن كان نصيبه من العلم قليلًا فالأجدر به أن يتواضع ويتعلم، لا أن يسخر من غيره. فالسخرية من طلاب العلم لا ترفع صاحبها، بل تكشف خواءه.
وفي النهاية، يبقى ميزان الناس واحدًا لا يتغير: العلم قبل الدعوى، والعمل قبل الوعظ، والتواضع قبل المشيخة. فمن أراد أن يكون شيخ طريقة بحق، فليبدأ بالطريق الأصعب: طريق العلم الصادق، لا طريق المنصة والضحك على المريدين. فالدين أرفع من أن يتحول إلى مسرح، وأعظم من أن يقوده من لم يتعب في طلبه.




