تنوير النعمان حبيب الله قصاصات لاجئ (6) من النزوح إلى الخبرة… ماذا تعلمنا؟
تنوير النعمان حبيب الله قصاصات لاجئ (6) من النزوح إلى الخبرة… ماذا تعلمنا؟

تنوير
النعمان حبيب الله
قصاصات لاجئ (6)
من النزوح إلى الخبرة… ماذا تعلمنا؟
النزوح لم يكن اختياراً.
لكنه كان تجربة.
قاسية… نعم.
مؤلمة… بلا شك.
لكنها لم تكن فراغاً.
في ثلاث اعوام من الغربة القسرية، تعلّم السودانيون ما لم يتعلموه في سنوات الاستقرار.
تعلّموا الصبر بمعناه الحقيقي.
وتعلّموا الاقتصاد في المصروف.
وتعلّموا أن الكرامة يمكن أن تُختبر… لكنها لا تموت.
كثيرون منا عملوا في مجالات لم يطرقوها من قبل.
من كان موظفاً صار تاجراً صغيراً.
ومن كان بعيداً عن السوق، تعلّم لغة البيع والشراء.
ومن لم يحمل أدوات صيانة في حياته، صار يصلح ويصنع بيديه.
النزوح كان مدرسة مهارات.
تعلّمنا الانضباط في المواعيد.
تعلّمنا كيف تُدار الخدمات بكفاءة.
رأينا نماذج ناجحة في الإدارة المحلية، في النظافة، في الأسواق المنظمة، في احترام الصف.
ورأينا أيضاً أخطاءً…
فعرفنا ماذا نريد لوطننا، وماذا لا نريد.
اليوم، ونحن نعود، لا ينبغي أن نعود كما خرجنا.
نعود بخبرة.
بعين أكثر وعياً.
بعقل يعرف قيمة النظام.
وبيد تعرف كيف تعمل.
الوطن لا يحتاج فقط إلى أموال العائدين،
يحتاج إلى خبراتهم.
يحتاج إلى ثقافة جديدة في السوق:
احترام الزبون.
وضوح السعر.
نظافة المكان.
الالتزام بالكلمة.
يحتاج إلى ثقافة جديدة في الحي:
المبادرة قبل الشكوى.
التعاون قبل الاتهام.
الحل قبل الجدل.
النزوح كشف معدن الناس.
فيه من انهار…
وفيه من ازداد صلابة.
فلنجعل التجربة رأسمالاً أخلاقياً ومهنياً.
نحن لم نُهجّر لنعود أضعف.
بل ربما عدنا أكثر إدراكاً لقيمة الوطن.
الوطن ليس فقط أرضاً نعود إليها.
هو سلوك نحمله معنا.
إذا حمل كل عائد ما تعلمه من تجربة النزوح،
فإن السودان لن يعود كما كان…
بل يمكن أن يصبح أفضل مما كان.
هذه قصاصة سادسة…
وفي التجربة دروس لا تنتهي.




