اعمدة ورأي

عباس إدريس جعفر يكتب.. حين تضيق دوائر الانتماء: نداء إلى العقل والضمير في جنوب كردفان – جبال النوبة

عباس إدريس جعفر يكتب.. حين تضيق دوائر الانتماء: نداء إلى العقل والضمير في جنوب كردفان – جبال النوبة

عباس إدريس جعفر يكتب..
حين تضيق دوائر الانتماء: نداء إلى العقل والضمير في جنوب كردفان – جبال النوبة

دعونا نستعير عنوان مقالنا هذا من روح كلمات شهيدنا الرجل الأمة مكي بلايل، لنقول بصدق ومسؤولية: هذا نُصحٌ نبذله لقومنا في جنوب كردفان – جبال النوبة، في ظل حالة الاحتقان التي صاحبت حمى الترشيحات لمنصب الوالي، وما رافقها من تصاعد خطاب الجهوية والمناطقية والقبلية.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات في لحظات التحول والتعقيد ليس ضعف الموارد، ولا قسوة الظروف، بل ضيق الرؤية وانغلاق دوائر الانتماء. فكلما انغلقنا إلى الداخل، وتراجعنا من فضاء الوطن الواسع إلى حدود الجهة، ثم إلى نطاق القبيلة، ثم إلى الذات، سلكنا طريق الانحدار التدريجي نحو الدرك الأسفل، حتى نصل إلى دائرة “نفسك التي بين جنبيك”، حيث يغيب المعنى الجمعي، وتتآكل القيم المشتركة.
إن الانتماء الإنساني بطبيعته متعدد الدوائر: يبدأ من الذات، ثم الأسرة، فالقبيلة، فالمنطقة، فالإقليم، فالوطن، فالإنسانية جمعاء. وكل خلل يحدث عندما تُختزل هذه الدوائر الواسعة في حلقة ضيقة، ويُختصر الوطن في جهة، والجهة في قبيلة، والقبيلة في أفراد.
وإن ما نشهده اليوم من استقطاب جهوي ومناطقي لا يخدم قضية جنوب كردفان جبال النوبة، ولا يحقق تطلعات أهلها في الأمن والتنمية والسلام، بل يعمّق الانقسامات، ويعيد إنتاج الأزمات، ويهدر طاقات كان الأجدر أن تتجه نحو البناء والتعافي ورتق النسيج الاجتماعي.
إن منصب الوالي ليس غنيمة سياسية، ولا مكافأة جهوية، ولا استحقاقاً قبلياً، بل أمانة وطنية ومسؤولية تاريخية، تُقاس بمعايير الكفاءة، والنزاهة، والقدرة على الإدارة الرشيدة، والالتزام الصادق بقضايا المواطن، دون تمييز أو إقصاء.
إن معيار الاختيار الصحيح يجب أن يقوم على:
الكفاءة المهنية والخبرة الإدارية،
النزاهة والاستقامة الأخلاقية،
القدرة على تحقيق العدالة والمساواة في توزيع الخدمات،
الرؤية الشاملة لبناء السلام والتنمية المستدامة،
الإيمان العميق بالتعدد والتنوع كقوة لا كتهديد.
فجنوب كردفان ليست ملكاً لجهة دون أخرى، ولا لقبيلة دون غيرها، بل هي وطن جامع، صنعته دماء الشهداء، وصبر الأمهات، وتضحيات الأجيال. وهي أحوج ما تكون اليوم إلى قيادة توحد ولا تفرق، تجمع ولا تقسم، تبني ولا تهدم.
إن معركتنا الحقيقية ليست حول من يحكم، بل حول كيف نحكم، وبأي قيم نُدار، ولصالح من تُوجَّه السلطة. فإذا جعلنا معيارنا هو الجهة والقبيلة، فقد خسرنا الطريق قبل أن نبدأ، أما إذا جعلناه الكفاءة والعدالة والمواطنة المتساوية، فقد وضعنا أقدامنا على أول الطريق الصحيح.
ختاماً، فإن هذا النداء ليس موجهاً ضد أحد، ولا دفاعاً عن شخص، بل هو صرخة وعي ومسؤولية، نرجو أن تجد صداها في الضمائر الحية، حرصاً على جنوب كردفان جبال النوبة، وعلى مستقبل أجيالها، وعلى وحدة نسيجها الاجتماعي، حتى تبقى جبال النوبة أرضاً للسلام، وساحة للتنوع، وجسراً للتعايش، لا ميداناً للصراع والانقسام.
وللوطن أولاً… دائماً.
بقلم عباس ادريس جعفر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى