سياسة الوراثة: حين تُختزل الأوطان في أسماء العائلات د.أيمن محجوب عبد الله محمد
سياسة الوراثة: حين تُختزل الأوطان في أسماء العائلات د.أيمن محجوب عبد الله محمد

سياسة الوراثة: حين تُختزل الأوطان في أسماء العائلات
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
منذ أن تشكّلت الحياة الحزبية الحديثة في السودان في منتصف القرن الماضي، ظلّ المشهد أسير ثنائية تقليدية تمثّلها حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي. حزبين وُلدا في سياق تاريخي مختلف، لكنهما بقيا في نظر كثيرين يدوران في فلك أسرتين: آل المهدي وآل الميرغني. ومع تعاقب الأجيال، لم يتغيّر السؤال الجوهري: هل نحن أمام أحزاب وطنية حديثة، أم أمام امتدادات سياسية لبيوتات دينية تاريخية؟
في حالة حزب الأمة، ارتبطت القيادة تقليديًا بآل المهدي، من الإمام المؤسس للحركة المهدية إلى الزعامة السياسية التي مثّلها لاحقًا الصادق المهدي، ثم انتقال الثقل القيادي داخل الدائرة ذاتها. وفي الضفة الأخرى، ظل الحزب الاتحادي الديمقراطي مرتبطًا بآل الميرغني، حيث شكّل محمد عثمان الميرغني رمزًا ممتدًا لزعامة لم تتزحزح لعقود. وهنا تتعزز صورة السياسة الوراثية: تداول داخل العائلة، لا داخل المؤسسة.
المشكلة ليست في الرمزية التاريخية أو في الاحترام الاجتماعي الذي تحظى به هذه الأسر، بل في بنية الحزب ذاتها. حين تُختزل القيادة في نسبٍ أو طائفة، تضيق دائرة المنافسة، وتُغلق أبواب التجديد، ويغيب التداول الحقيقي. كأنما السودان بكل تنوعه وكفاءاته عاجز عن إنجاب قيادات خارج سلالة بعينها. هذا الانغلاق يُنتج أحزابًا تعيش على رصيد الماضي، لا على رؤية للمستقبل.
وعلى مستوى الأفكار، ظل الخطاب في كثير من الأحيان تقليديًا، عموميًا، يفتقر إلى مشاريع إصلاح واضحة ومُحدّثة تتناسب مع تعقيدات الدولة الحديثة. الاقتصاد تغيّر، المجتمع تبدّل، الأجيال اختلفت أولوياتها؛ لكن الخطاب ظل أسير مفردات تاريخية وولاءات تقليدية. السياسة هنا تتحول إلى إدارة توازنات داخل الطائفة، لا إلى إدارة دولة.
أما في لحظات الأزمات الوطنية، فقد تعرّض الحزبان لانتقادات حادة تتعلق بمواقفهما وتحالفاتهما. في أوقات الصراع والانقسام، يرى خصومهما أن حسابات النفوذ والمكانة طغت أحيانًا على وضوح الموقف الوطني، وأن التردد أو الاصطفاف غير الحاسم أضعف الثقة الشعبية. في أزمنة الحرب والانهيار، ينتظر المواطن خطابًا حاسمًا وبرنامجًا إنقاذيًا، لا بيانات دبلوماسية تحتمل التأويل.
إن جوهر النقد هنا ليس رغبة في الإلغاء، بل في المساءلة. الأحزاب الطائفية حين لا تُجدّد نفسها تتحول إلى هياكل تقليدية تحرس إرثًا أكثر مما تبني مشروعًا. والمؤسسة التي لا تسمح بصعود قيادات عبر الكفاءة والانتخاب الداخلي الحر، تظل رهينة اسم العائلة مهما تغيّر الزمن.
السودان اليوم لا يحتاج إلى زعامات موروثة بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات ديمقراطية حقيقية داخل الأحزاب نفسها. فإذا لم تُمارَس الديمقراطية داخل الحزب، فكيف ستُمارَس داخل الدولة؟ وإذا ظل الولاء للأسرة مقدّمًا على الولاء للفكرة، فلن تتقدم السياسة خطوة واحدة إلى الأمام.
قد يكون التاريخ قد منح هذين الحزبين شرعية التأسيس، لكن المستقبل لن يمنح شرعية الاستمرار إلا بالتجديد والمحاسبة والانفتاح. فالوطن أكبر من أي أسرة، وأكبر من أي حزب، وأكبر من أي إرثٍ سياسي مهما طال عمره.




