حوار حول الأفكار من الأدلجة إلى التوافق الوطني كضرورة تاريخية بقلم /عباس إدريس جعفر
حوار حول الأفكار من الأدلجة إلى التوافق الوطني كضرورة تاريخية بقلم /عباس إدريس جعفر

حوار حول الأفكار
من الأدلجة إلى التوافق الوطني كضرورة تاريخية
بقلم /عباس إدريس جعفر
إن تاريخ السودان الحديث، ظل يحتدم فيه الصراع السياسي محصورًا بين ثنائية تكتلات ايديولوجية ،بين إسلامية في جانب، وعلمانية في الجانب الآخر،المركز والهامش في الطرف الآخر أو بين العروبة والافريقانية.
كل هذه التكتلات انغلقت على ذاتها، وجعلت من الوطن مجرد وعاء مؤقت لمعاركها الوجودية.
فتحوّل الوطن إلى “مشروع أيديولوجي مؤجل”، لا إلى وطن قوي يُبنى بتعدّد وتنوع واعتراف الآخر المتبادل.
إن المصطلح حين ينقلب الي مضمون هو ما يُطلق عليه في الفضاء السياسي السوداني “تيارات”،وهي في جوهرها ليست تيارات، بل هي تكتلات منغلقة علي ذاتها ، تقوم على بنى حزبية أو عرقية أو جهوية قبليةصلبة، وهي مفاهيم إقصائية، لا تحتمل التعدد ولا الشراكة.
بينما كلمة التيار، في معناها اللغوي والاصطلاحي، هو ما يعبر عن الحركة والانفتاح والتدفق،ويمثّل فضاءً واسعا مفتوحا. و يتجاوز الانغلاق التنظيمي، ويستوعب التعدد في إطار جامع.
ولذلك ، فإن استخدام مصطلح “التيار” لوصف تلك الكتل ألايديولوجية والعرقية والجهوية الجامدة،هو قلبٌ للمفاهيم، وخلطٌ بين المصطلح ومضاده.
الوفاق الوطني كفكرة جامعة، ليس حزبًا جديدًا، ولا تكتلاً بديلاً.
بل هو تصور لبناء مساحة جامعة تتجاوز حالة تلك الإصطفاف الأيديولوجي وغيره ،وتعبر عن فضاء أوسع وطيف واسع يشمل التنوع السوداني.
وهو تيار لا يقوم على مناهضة الأحزاب، بل يسعي الى إعادة تعريف العلاقة بين الأحزاب والمجتمع والدولة.
من الأدلجة إلى التوافق
الوطني. بدلًا من أن نسعى إلى أدلجة الوطن وفق مرجعيات ضيقة،
يجب أن نعمل على توطين الأيديولوجيا داخل سياق التوافق الوطني وهويته وتاريخه واحتياجاته. فالأيديولوجيا في أصلها أداة فهم وتفسير،ولا ينبغي أن تتحول إلى دين سياسي يعلو على الوطن ويصادر تنوعه.
إن التفكيك للتكتلات الأيديولوجيةوأي حديث عن توافق وطني جديد، لا يكتمل دون التفكير في أدوات تفكيك الجمود السياسي،
وخلق فضاء أرحب لحوار وطني صادق، يؤسس لفهم مشترك، ومرجعية سياسية وطنية تقوم على الاعتراف المتبادل.
وهذا لا يتم بقرار فوقي، بل يبدأ من بناء مؤسسات مجتمعية قوية، ذات بعد وطني جامع،
تحصّن التجربة الوطنية من تغوّل الأيديولوجيا، وتعيد للوطن مكانته كمرجعية كبرى.
الخاتمة:
التوافق الوطني ليس دعوة للحياد ولا لرماديةالمواقف ،بل هو نداء للعودة إلى جذور الأشياء وتأسيس عقد اجتماعي جديد،يكون الوطن هو إطارٍ حاكم، والهوية المشتركة كمرجعية، والمؤسسات المجتمعية كقاعدة.
إنها دعوة للانتقال من مرحلة الأدلجة الصراعية إلى مرحلة التوافق الوطني.




