بشارة جمعة أرور يكتب.. هوية السودان المتنوع والمركب التكوين __________________ وحدة التنوع حين تصبح العدالة شرط البقاء
بشارة جمعة أرور يكتب.. هوية السودان المتنوع والمركب التكوين __________________ وحدة التنوع حين تصبح العدالة شرط البقاء

بشارة جمعة أرور يكتب..
هوية السودان المتنوع والمركب التكوين
__________________
وحدة التنوع حين تصبح العدالة شرط البقاء
__________________
*”إذا الوحدة هي غايتنا السامية فإنها في مثل واقع السودان المتنوع والمركب التكوين صنو العدالة والتوازن والوسطية في كل شعاب الحياة العامة قسطاً في توزيع السلطة والثروة فعلاً لا شعارات يكذبها الواقع، و تعبيراً متوازناً وصادقاً عن جميع مكونات هوية الأمة في الخطاب السياسي والثقافي للدولة والمجتمع.”*
العدالة هي ميزان القسط الذي يعتدل به الكون الواحد المتنوع الموزون في وحدته وتنوعه، في اتزانه واختلاف عناصره، وفي توازن أجزائه وتكاملها.
وحين نتقدم إلى الساحة السياسية باسم حزب العدالة، فإنما نعبر عن قناعة فكرية وأخلاقية راسخة بأنها القيمة الأكثر إلحاحاً، والتي تمس الحاجة إليها في واقع السودان الراهن، وهي الشرط الضروري لتحقيق تطلعات أبنائه في الوحدة والسلام والتنمية.
فالوحدة في جوهرها الحقيقي ليست حصراً على اجتماع بشري داخل سياج الحدود السياسية وتحت السيادة الواحدة، وإنما هي شعور وجداني عميق بالانتماء الواحد والمصير المشترك، وهذا المعنى مرام لا يمكن بلوغه في واقع السودان المتنوع والمركب إلا بإعمال ميزان عدالة دقيق وحساس، يلامس وجدان الناس ويضمن إحساسهم بالإنصاف والكرامة.
أما السلام، فليس مجرد غياب الاقتتال أو توقف إطلاق النار، بل هو حالة رضا عام داخل الكيان الواحد، حيث تشعر كل المكونات بسلامة الترتيبات السياسية والاقتصادية والثقافية، ويشعر الجميع بأنهم شركاء حقيقيون، لا رعايا، وأن حقوقهم مصونة غير منقوصة.
والوحدة والسلام بهذا المعنى هما شرط التنمية والرقي المادي والمعنوي، ففي ظلهما يمكن توجيه الموارد والطاقات نحو البناء، واستثمار الإمكانات البشرية والطبيعية في مشروع وطني جامع بدل استنزافها في الصراعات السياسية…
وانطلاقاً من هذه القناعة الراسخة، التي ترى في العدالة أساساً للوحدة والسلام والتنمية، حرصنا في ميثاقنا الفكري والسياسي لحزب العدالة على استصحاب قيمة العدالة بوصفها المبدأ الحاكم والمرجعية الناظمة لتوجهات الحزب وخياراته في مختلف شُعب الحياة العامة، باعتبارها الميزان الذي تُقاس به السياسات، وتُضبط على أساسه علاقة الدولة بالمجتمع، وتتحقق من خلاله المساواة في الحقوق والواجبات دون تمييز أو إقصاء.
فالعدالة ليست فقط قاعدة أخلاقية، بل هي استراتيجية وطنية لضمان استقرار الدولة، وحماية مؤسساتها، واستثمار الموارد الوطنية بفعالية، وجذب الاستثمارات التي تضمن تحقيق التنمية المستدامة لجميع المكونات. فهي شرط لتحقيق وحدة فعلية ومساواة حقيقية، ولضمان سلام دائم، وتحويل التنوع إلى مصدر قوة واستقرار.
إن الواقع المرير الذي تعيشه بلادنا اليوم لم يأتِ من فراغ، وإنما هو نتاج طبيعي ومتراكم للسياسات غير الرشيدة التي انتهجتها الأنظمة المتعاقبة منذ الاستقلال وحتى اليوم. وقد أفضت سياسات التهميش وما أفرزته من مفارقات واختلالات جسيمة في موازين العدالة على مختلف الأصعدة، إلى إلحاق أضرار عميقة بالقوى الاجتماعية التي تشكل السواد الأعظم من الشعب السوداني، ودفع بعضها إلى التفكير السلبي في اتجاه الانقسام والتشرذم، وهو مسار لا يهدد وحدة الدولة فحسب، بل ينذر بتفكيك المجتمع نفسه إلى مكوناته الأولية، بدلاً من الانصهار والتوحد في إطار مشروع وطني جامع.
واعتباراً بنذر هذا الواقع، وإيماناً راسخاً بأن الوحدة غاية قومية عليا يسندها منطق العصر ومسار تطور البشرية، نقدم هذه الرؤية بوصفها دعوة صادقة لكل المؤمنين بالعدالة كأساس للوحدة الوطنية من أبناء الوطن على وجه العموم، وموجهة على وجه الخصوص إلى القوى الاجتماعية المهمشة التي ظلت تاريخيًا ضحية اختلال موازين العدالة في العمل والثقافة والسلطة والثروة.
وهي دعوة تنفي بوضوح خيار الانقسام والتشرذم، كما تنفي خيار الانغلاق السياسي داخل التنظيمات الإقليمية والجهوية، لما يحمله هذا الخيار من مخاطر إبقاء الأغلبية متفرقة وضعيفة، محبوسة في خانة الأقليات السياسية، وعاجزة عن التحول إلى قوة وطنية فاعلة.
وجوهر هذه الرؤية هو قيام كيان سياسي قومي حقيقي جامع، يمثل بديلاً موضوعياً للكيانات والأحزاب السياسية التقليدية التي تدّعي القومية، بينما تهيمن عليها عقليات وأفكار تصور السودان بما يناسب مصالح شريحة محددة، ساعية لاحتكار السلطة والثروة والتمثيل ال…،فإذا كانت الوحدة غايتنا السامية، فإنها في واقع السودان المتنوع والمركب صنو العدالة والتوازن والوسطية في كل شؤون الحياة العامة عدالة فعلية في توزيع السلطة والثروة لا شعارات يكذبها الواقع وتعبير متوازن وصادق عن جميع مكونات هوية الأمة وإقرار صريح بالتعدد بوصفه مصدر قوة لا عامل تهديد.
ومن هذا المنطلق، ندعو كل قطاعات الشعب الرافضة للظلم والتهميش، وللانفصال والتجزئة، إلى تشكيل كتلة تاريخية تضطلع بمهمة تاريخية، قوامها تحقيق العدالة الشاملة والمساواة الكاملة، باعتبارهما الأساس المتين للوحدة الوطنية الحقيقية.
إن هوية أي أمة نتاج تفاعل معقد بين التاريخ والجغرافيا وصلات الدم والدين والثقافة، ولا شك أن مسألة الهوية تحتل أهمية بالغة في الشأن السياسي، إذ الإنسان مفطور على التمسك بانتمائه والاعتزاز به.
ولا ضير في تعدد خطوط الانتماء داخل الدولة الواحدة، فغالب دول العالم كيانات مركبة من أعراق، ومعتقدات دينية، وخلفيات ثقافية متباينة، تختلف فقط في درجات التباين. وحين يكون التباين كبيراً، كما هو حال السودان، يصبح التوازن في التعبير عن مكونات الهوية شرطاً أساسياً للشعور بالانتماء، وأحد أهم مقومات الوئام الاجتماعي.
ولا يستقيم أن تعتقد فئة بعينها أن لها وحدها حق الاعتداد بانتمائها، أو احتكار التعبير عنه في الخطاب العام، أو إلحاق بقية المكونات بها قسراً، فالتوازن في التعبير عن الهوية المركبة هو المدخل الطبيعي للتعايش الثقافي والتفاعل الإيجابي بين الثقافات، وصولاً إلى تنوع متجانس متناغم، تتلاقح فيه القيم وتتبادل فيه التجارب.
ويظل الشباب والمرأة والمجتمع المدني الشركاء الأساسيين في تحويل مبادئ العدالة إلى واقع ملموس، من خلال المشاركة السياسية والمبادرات الثقافية والمساهمة في صياغة السياسات العامة.
والسودان، في حقيقته التاريخية، نتاج تفاعل حضاري ممتد عبر العصور: من ممالك كوش النوبية القديمة مثل نبتة ومروي، إلى الممالك النوبية المسيحية كعلوة ومقرة، ثم ممالك البجا في الشرق، وممالك المجموعات النيلية، وصولاً إلى الممالك الإسلامية التي قامت بفعل الهجرات العربية، مثل الفونج في الوسط، والفور في الغرب، والمسبعات في كردفان، وتقلي في جبال النوبة.
ورغم هذا التنوع العميق، كان السودان عند الاستقلال يقف على أرضية قوية من القواسم المشتركة التي تصلح أساساً لبناء أمة واحدة متجانسة، لولا سيطرة عقلية الهيمنة والاستعلاء، التي اختزلت هويته في بعد أحادي، وهمشت البعد الأفريقي والموروث التاريخي العميق.
وكان طبيعياً، في ظل هذا الخلل، أن تتولد ردود فعل مضادة من القوى التي شعرت بتهميش هويتها، فتحولت مسألة الهوية إلى إحدى أعقد القضايا في الأجندة الوطنية.
إن السعي لوحدة حقيقية، قائمة على العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات، يقتضي معالجة شجاعة ومتوازنة لقضية الهوية، لا إنكارها ولا توظيفها سياسياً…، ونؤمن بأن من مصلحة السودان الحرص على كل دوائر انتمائه ومكونات هويته، ليس فقط من أجل الوئام الداخلي، وإنما لتعزيز موقعه الإقليمي والدولي في عالم تتضاعف فيه أهمية الهويات المتعددة كمصدر قوة للدول الذكية.
وتأسيساً على ما تقدم، تقوم رؤيتنا على الاعتراف الكامل بكل مكونات الهوية القومية السودانية، والتعبير المتوازن عنها في الخطاب السياسي والثقافي للدولة والمجتمع، وتهيئة المناخ المواتي للتفاعل الإيجابي بين الثقافات، بعيداً عن الاستعلاء والإقصاء، وصولاً لوحدة التنوع. كما تقوم على الاهتمام بالثقافات السودانية وتطويرها، وتمكين الولايات عبر نظام فدرالي حقيقي من الحفاظ على خصوصياتها الثقافية والاجتماعية، والتعبير عن ذاتها ضمن الإطار القومي الجامع، إلى جانب إصلاح مناهج التعليم وتنقيتها من أي إشارات للاستعلاء العرقي أو الثقافي، وكتابة التاريخ بالحيدة العلمية لإبراز إسهامات جميع المكونات الوطنية بعدالة وموضوعية، وبناء مؤسسات قوية وشفافة قادرة على ضمان مساءلة الجميع أمام القانون.
وعليه ندعو الجميع نحو عقد وطني جديد، فإن العدالة ليست شعاراً سياسياً يُرفع عند الحاجة إليه، ولا قيمة أخلاقية مجردة، بل منهج حكم، وأداة رشيدة لإدارة التنوع، ومدخل أساسي لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة ومتوازنة.
فمن دون عدالة لا تستقيم وحدة ولا يتحقق سلام ولا تنمية حقيقية. وعليه، فإن السودان في أمس الحاجة إلى عقد وطني جديد يؤسس لدولة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، ويعيد تعريف الهوية باعتبارها فضاء جامعاً، ومصدر قوة وطنية.
ذلك هو طريق الخلاص، وتلك مهمة الجيل الحالي، والامتحان الحقيقي لكل القوى السياسية والفكرية التي تزعم الانحياز لمستقبل الوطن، وحق أبنائه في دولة عادلة، موحدة، ومتوازنة.




