تنوير النعمان حبيب الله السوق العربي… حين يسبق أصحاب المطابع الدولة بخطوة(١)
تنوير النعمان حبيب الله السوق العربي… حين يسبق أصحاب المطابع الدولة بخطوة(١)

تنوير
النعمان حبيب الله السوق العربي… حين يسبق أصحاب المطابع الدولة بخطوة(١)
——————-
لم ينتظر أهل المطابع وشركات الدعاية والإعلان في السوق العربي كثيرًا. ما إن انقشع غبار التمرد عن الخرطوم، حتى كانوا أول من حمل القفاذ، واتجهوا نحو مقارهم، ينظفون الركام، يزيحون مخلفات الحرب، ويرتبون المكان كأنهم يقولون: “نحن هنا… وهذه أرض رزقنا ولن نتركها تموت”.
التمرد الذي مرّ على السوق العربي لم يترك شيئًا إلا وأصابه بأذى. هذه المنطقة، التي تُعد القلب الاقتصادي النابض لولاية الخرطوم، تعرضت لما تعرضت له كل المناطق التي وطأتها الفوضى: بنية تحتية منهكة، خدمات متوقفة، ومحالّ فقدت ملامحها. ومع ذلك، لم يفقد الناس الأمل.
أكثر من ألفي أسرة تعتمد بشكل مباشر على قطاع المطابع والدعاية والإعلان في السوق العربي. خلف كل ماكينة طباعة بيت ينتظر قوت يومه، وخلف كل لوحة إعلانية أطفال يذهبون إلى مدارسهم، وأسرٌ تُبقي على كرامتها من عرق هذا المجال الذي ظل لسنوات شريانًا يغذي الاقتصاد المحلي.
المشهد اليوم يحمل مفارقة مؤثرة: المواطن يسبق الحكومة بخطوة. أصحاب المطابع عادوا، نظفوا مقارهم، أزالوا المركبات التالفة، ورتبوا الفوضى، وهم الآن في انتظار الخطوة الأهم من الولاية: إعادة الكهرباء، توفير المياه، وصيانة شبكة الصرف الصحي. بدون هذه الخدمات، ستظل العودة ناقصة، وسيبقى الأمل معلقًا.
إن إعادة الحياة إلى السوق العربي ليست مجرد مسألة خدمية، بل قرار اقتصادي واستراتيجي. هذا السوق ليس ملكًا لأصحابه فقط، بل هو قوة اقتصادية ضخمة تخدم السودان كله، ومنه تنطلق حركة التجارة والإعلان والطباعة التي تدعم مؤسسات الدولة والقطاع الخاص على حد سواء.
ومن هنا، فإن المناشدة الصادقة تتجه إلى حكومة ولاية الخرطوم، وإلى معتمد الخرطوم على وجه الخصوص: أعيدوا الحياة إلى السوق العربي، فكل يوم تأخير يعني مزيدًا من الخسائر لأسر تنتظر العودة إلى أعمالها، ولمدينة تحاول أن تستعيد نبضها.
كما أن المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها.
السوق العربي لم يكن يومًا مجرد مكان للبيع والشراء، بل كان رمزًا لحياة مدينة كاملة. وإذا كانت الحرب قد أطفأت بعض أضوائه، فإن إرادة الناس قادرة على إشعالها من جديد… فقط إن وجدت من الدولة قرارًا شجاعًا يوازي شجاعة الذين عادوا ونظفوا ورفضوا الاستسلام



