تنوير النعمان حبيب الله .. إبراهيم جابر… حينما يعمل المسؤول بصمت وتتكلم الخرطوم بالفعل
تنوير النعمان حبيب الله .. إبراهيم جابر… حينما يعمل المسؤول بصمت وتتكلم الخرطوم بالفعل

تنوير
النعمان حبيب الله .. إبراهيم جابر… حينما يعمل المسؤول بصمت وتتكلم الخرطوم بالفعل
————–
في بلدٍ أرهقته الحروب، وتعب من الوعود، وصار يشكّ في كل مسؤول قبل أن يسمع اسمه، يصبح الإنجاز الحقيقي عملة نادرة، لا يلمع بريقها في الإعلام بقدر ما يلمسها الناس في بيوتهم.
ومن هنا، لا يمكن المرور على ما يحدث في الخرطوم اليوم دون التوقف عند اسم الفريق إبراهيم جابر إبراهيم، عضو مجلس السيادة، ورئيس اللجنة العليا لإعمار وتهيئة ولاية الخرطوم لعودة المواطنين.
الرجل لم يظهر فجأة، ولم يأتِ بخطابٍ عاطفي، بل جاء محمّلًا بملفات ثقيلة، وواقعٍ معقّد، وعاصمة كانت شبه مدينة أشباح.
الخرطوم التي غابت عنها المياه والكهرباء، وتوقفت فيها المستشفيات، وأُغلقت الوزارات، ونزح أهلها قسرًا… هي ذاتها الخرطوم التي بدأ نبضها يعود، لا بالشعارات، بل بالفعل.
منذ أن تولى الفريق إبراهيم جابر هذا الملف، تغيّر منطق التعاطي مع الإعمار. لم يعد الأمر حصر أضرار على الورق، بل تحرك ميداني، اجتماعات متواصلة، لجان فنية، ومتابعة يومية.
كانت البداية بالخدمات الأساسية، لأن الرجل فهم أن المواطن لا يعود بخطاب سياسي، بل بماء في ماسورة، وكهرباء في البيت، ومستشفى يعمل، وطريق آمن.
وفي فترة وجيزة، بدأت محطات المياه تعود للعمل في عدد كبير من محليات الخرطوم، وعادت الكهرباء تدريجيًا إلى أحياء كانت غارقة في الظلام، وعادت مستشفيات ومرافق صحية للخدمة بعد أن كانت خارج الحسابات.
هذه ليست أرقامًا في تقرير، بل حياة يومية لآلاف الأسر.
واحدة من أخطر المعضلات التي واجهت إعادة الحياة للعاصمة كانت الوجود العسكري والمظاهر القتالية داخل الأحياء. وهنا سُجِّل للفريق إبراهيم جابر إنجاز بالغ الأهمية:
إخراج النسبة الأكبر من القوات المقاتلة من ولاية الخرطوم، وهي خطوة مفصلية أعادت قدرًا من الأمن، وكسرت حاجز الخوف، وفتحت الطريق لعودة المدنيين.
لم يتوقف الأمر عند الخدمات فقط، بل امتد إلى إعادة تشغيل مؤسسات الدولة. وزارات فُتحت، مقار حكومية عادت للعمل، ومرافق سيادية بدأت تستعيد دورها الطبيعي.
حتى مطار الخرطوم الدولي، رمز السيادة والاتصال بالعالم، دخل ضمن خطة التأهيل والعودة التدريجية، في رسالة واضحة أن العاصمة لا تُدار بعقل الأزمة فقط، بل بعقل المستقبل.
وفي ملف البنية التحتية، قاد الفريق إبراهيم جابر تنسيقًا إقليميًا ودوليًا مهمًا، من بينها الاستعانة بخبرات فنية لإعادة تقييم وتأهيل الجسور والطرق المتضررة، لأن الإعمار الحقيقي لا يُبنى بعشوائية، بل بأسس هندسية تضمن الاستدامة.
ولأن الإعمار ليس إسمنتًا وحديدًا فقط، بل إنسان قبل كل شيء، أولى اهتمامًا خاصًا بالتدريب المهني وتأهيل الشباب، عبر تطوير معاهد التدريب، وبناء كوادر وطنية قادرة على حمل عبء البناء بدل استيراد الحلول الجاهزة.
فالإعمار الذي لا يصنع فرص عمل، ولا يُشرك الشباب، هو إعمار مؤقت بلا روح.
اللافت في تجربة الفريق إبراهيم جابر أنه يعمل بصمت. لا يبحث عن الكاميرا، ولا يتصدر المنصات، ولا يبيع الوهم.
رجل يعمل ليلًا ونهارًا، وكأنما أدرك أن التاريخ لا يكتب أسماء المتحدثين كثيرًا، بل يحفظ أسماء من أنجزوا في اللحظات الصعبة.
وهنا يصبح الحديث عنه حديثًا عن نموذج، لا عن فرد.
نموذج المسؤول الذي يرى المنصب تكليفًا لا تشريفًا، ويرى الدولة خدمة لا غنيمة، ويرى المواطن شريكًا لا رقمًا.
إن ما جرى في الخرطوم خلال هذه الفترة القصيرة يثبت حقيقة واحدة لا تقبل الجدل:
المشكلة في السودان لم تكن يومًا في غياب الموارد فقط، بل في غياب الرجال المناسبين في الأماكن المناسبة.
فإذا كان رجل واحد، بإدارة جادة وإرادة واضحة، استطاع أن يعيد المياه والكهرباء، ويُخرج السلاح من الأحياء، ويعيد فتح الوزارات والمستشفيات، ويضع العاصمة على طريق التعافي…
فكم تعطلت الخرطوم سابقًا بسبب صراعات النخب، وكم تأخر الوطن لأن كثيرين جلسوا على الكراسي بلا كفاءة، ولا ضمير، ولا إحساس بثقل المسؤولية؟
هذه ليست زاوية مدح، بل شهادة واقع.
والخرطوم اليوم، وهي تلتقط أنفاسها، تقول بوضوح:
عندما يُمسك القفاز من يستحقه… تعود الحياة، ولو من تحت الركام
ليس المطلوب من المسؤول أن يكون معصومًا، ولا أن يُقدَّم في صورة البطل الخارق، بل أن يكون صادقًا مع واجبه.
وهنا بالضبط يقف نموذج الفريق إبراهيم جابر: رجلٌ لم يرفع صوته، لكنه رفع الخرطوم من تحت الركام، ولم يخض معارك الكلام، بل خاض معركة الإعمار حتى النهاية.
ما فعله هذا الرجل يضع الجميع أمام سؤال أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا:
إذا كانت العاصمة المنكوبة استطاعت أن تبدأ التعافي بإدارة جادة وعمل ميداني صامت، فلماذا ظل الوطن سنوات طويلة رهينة للفشل، والتجريب، وصراعات النخب على السلطة ولو على حساب الجماجم؟
إبراهيم جابر لم يُعِد الخرطوم وحده، لكنه أعاد تعريف معنى المسؤولية.
وأكد أن الدولة يمكن أن تعمل، وأن المنصب ليس حصانة بل محاسبة، وأن الرجل المناسب إذا وُضع في المكان المناسب، يصنع فرقًا يُرى ويُحَسّ، لا يُسمَع فقط.
والدرس الأهم الذي يجب ألا يضيع:
الأوطان لا تنهض بالخطب، بل برجالٍ يعملون مثل إبراهيم جابر… بصمت، وبلا كلل، حتى تعود الحياة.




