اعمدة ورأي

علي محمد طاهر علام يكتب.. الفاقد الأخلاقي… الجرح الخفي الذي ينزف في جسد المجتمع

علي محمد طاهر علام يكتب.. الفاقد الأخلاقي… الجرح الخفي الذي ينزف في جسد المجتمع

علي محمد طاهر علام يكتب.. الفاقد الأخلاقي… الجرح الخفي الذي ينزف في جسد المجتمع

الرادار نيوز

في كل الأمم التي شهدت تقدماً أو تخلفاً، والمجتمعات التي بلغت برقيها مصاف الكمال الانساني أو انحطاطاً في ذات المضمار، كانت الأخلاق هي الميزان الحقيقي لنهضتها أو انحدارها. فالأخلاق ليست مجرد سلوكيات أو نصائح نتوارثها، بل هي البنية التحتية القيمية التي يقوم عليها النفع الانساني. هي الطاقة التي تنظّم علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبالآخر، وبالحياة نفسها.
إنها “فن العيش بكرامة”، قبل أن تكون منظومة من الأوامر والنواهي.
لذلك جوهر الأخلاق أنها تجعل الإنسان قادراً على ضبط النفس والاتزان في كل الاحوال والمواقف، وتقوده الي اتخاذ القرار الأمثل دون خوف من سلطة، أو رغبة في مصلحة ما، أو بحث عن مكافأة.

▪️تمظهر الدين في الوظيفة الأخلاقية العليا:
الدين بلا شك في جوهره هو مشروع أخلاقي عظيم، غايته تدريب الإنسان وإعداده لمهمة الاستخلاف في الأرض، صانعاً للسلام، وبانياً للعمران.
جميع الرسالات تقريباً نادت بقيم أربع مركزية:
الصدق – العدل – الرحمة – الأمانة.
ولذلك لم يكن التدين يوماً طقوساً تمارس أو الفاظاً تردد، بل كان ضميراً حياً يراقب النفس قبل الخشية من المساءلة والعقاب. فالمتدين الحق يدرك أن العبادة موقف اخلاقي قبل ان تكون شعيرة، ومسؤولية تجاه الحياة قبل ان تكون عادة.

الضمير الأخلاقي.. حارس الإنسان الداخلي.
بالتأكيد الضمير هو “البوصلة” التي تتشكل من خلال قيم راسخة، تجارب واعية، وتربية قائمة على الفضيلة والحس الإنساني.
فالضمير المتزن لا يسقط تحت ضغط الفقر ولا يتدثر عباءة المصلحة ولا يتلون تحت ظل الخوف أو الطمع، إنه الوعي الذي يجعل صاحبه ثابتاً أمام الإغراءات، شجاعاً أمام الباطل، ورحيماً أمام الضعف.
ومتى ما ضعفت الأخلاق وتقلصت القيم في المجتمع، تآكل الضمير الجمعي حتى يصبح الناس متماهين مع الاسفاف، يشاهدون الظلم والانحطاط دون أن يتحرك لهم ساكناً.

منابت “الفاقد الاخلاقي”
الفاقد الأخلاقي في الحقيقة ليس فئة طارئة، بل هم جماعات سرطانية تنتشر داخل المجتمع. عادة ما تطرح نفسها كقيادة حكيمة، أمينة، حريصة علي مصالح المؤسسة والناس. تدعي الوعي والمعرفة والجودة وهي لا تملك من الوعي إلا المظهر، ومن المعرفة إلا الفصاحة، ومن الجودة إلا الحراك. تشكلت هذه المجموعات نتيجة تراكمات طويلة من:
– تعليم مفرغ من القيم: مؤسسات تعليمية باتت تخرّج عقول مكدسة بالمعلومات، حاملة للشهادات، ولكنها مفرغة تماما من الإنسانية ويقظة الضمير.
– تدين شكلي منفصل عن السلوك:
اداء طقوسي للشعائر بلا روح، ومظاهر تعبدية شكلية بلا أثر في واقع الناس والحياة.
– تفكك أسري وتربوي:
بيوت اصبحت مشغولة بالمادة والإعاشة ومُفرِّطة جدا في القيم والاخلاق.
– ثقافة عامة:
تقدر المظهر علي حساب الجوهر، وتمجّد “الذكاء الماكر” على حساب النزاهة والصدق.
– ظروف سياسية واقتصادية طاحنة:
دفعت الكثيرين يبرّرون السقوط الأخلاقي بإعتباره وسيلة للبقاء والتعايش.

فاتورة “الفاقد الأخلاقي” في السودان.
السودان اليوم يدفع أكبر فاتورة للفاقد الأخلاقي، وربما أكثر من فاتورة الفقر والحرب معاً.
فحين ينهار الضمير تنهار معه الدولة والمجتمع. فالفساد ليس مجرد ارقام، بل سقوط أخلاقي في المقام الأول. والاستقطاب الحاد والحاد جدا بين المجموعات والكتل المختلفة ليس تنافساً سياسياً علي الطرح والبرامج، بل هو مؤشر الي شرخ أخلاقي عميق، وليس هنالك ادَلُّ علي الإنهيار الاخلاقي وغياب الضمير الحي من جريمة إشعال الحروب.
ان القدر الكبير من مآسينا اليوم لا يعود الي ضعف الموارد او نقص المعرفة والكوادر،  بل الي كثافة الفاقد الأخلاقي داخل المجتمع، داخل المؤسسات، داخل السلطة، وداخل الناس أنفسهم.

تجفيف منابع “الفاقد الأخلاقي”:
لا يمكن لأي نهضة أن تقوم فوق أرض يحرسها فاقد أخلاقي، ولا يمكن لأي إصلاح أن ينجح في بيئة تسيطر عليها النفوس المريضة وتٌقتَل فيها القيم. فلابد من مواجهات جادة ومستمرة مع “الفاقد الأخلاقي”
والمواجهة هنا ليست بالضرورة ان تكون عملاً عدائياً، بل هي في الأساس عملية “تصفية حضارية” وتنقية لكل السلوكيات التي تعطل التنمية وتهدد بقاء المجتمع والدولة.
ولتحقيق ذلك لابد من:
إعادة تعريف وظيفة التعليم: ليصبح مصنعا للإنسانية، لا مجرد لوحة لإعلان الدرجات والنتائج.
إحياء نموذج القدوة الحقيقية: في الأسرة والمدرسة والشارع والإعلام، وبالمقابل كشف ومحاربة “القدوات المُزيَّفة”.
دمج التربية القيمية في التعليم: ليس كمادة تحصيلية، بل كثقافة حية.
ترسيخ مبدأ المحاسبة الأخلاقية داخل المؤسسات قبل المحاسبة القانونية.
تحسين بيئة الحياة: فالأخلاق تزدهر في بيئة العدل، وتجف في أرض الظلم والاستبداد.
إحياء روح الدين الحقيقي: الذي يربط العبادة بالسلوك، والتدين بالإحسان.
إعادة بناء الضمير الجمعي عبر الإعلام والخطاب العام والنماذج الملهمة الصادقة.

الأمم لا تنهض بالثروات ولا بالعقول وحدها.
تنهض حين يمتلك الإنسان ضميرا نبيهاً يحرسه من الداخل قبل أن تحرسه القوانين من الخارج.
والسودان لن يجد طريقه إلى التعافي ما لم يبدأ أولاً بترميم الضمير، ومحو الفاقد الأخلاقي، وإعادة الإنسان إلى إنسانيته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى