اعمدة ورأي

تنوير النعمان حبيب الله ____________ المليشيا خارج الحساب… هكذا تقرأ الرياض والقاهرة (السودان

تنوير النعمان حبيب الله ____________ المليشيا خارج الحساب… هكذا تقرأ الرياض والقاهرة (السودان

تنوير
النعمان حبيب الله
____________ المليشيا خارج الحساب… هكذا تقرأ الرياض والقاهرة (السودان)
__________
لم تعد زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الرياض ثم القاهرة قابلة للتأويل أو التجميل السياسي. فالمشهد أوضح من أن يُلفّ بورق المجاملات: الدول تتحرك لحماية أمنها، والسودان صار ساحة اختبار لهذه المصالح. وما جرى لم يكن بحثًا عن تسوية، بل ترتيبًا إقليميًا لمنع الأسوأ.
زيارة الرياض جاءت بدعوة مباشرة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لأن المملكة باتت ترى الخطر وهو يزحف نحو ساحل البحر الأحمر. سيطرة مليشيا الدعم السريع على هذا الساحل تعني تهديدًا مباشرًا للأمن السعودي، ولممرات الملاحة، ولتوازن البحر الأحمر كله. السعودية، التي تواجه تحديات أمنية مفتوحة على حدودها الجنوبية مع اليمن، لا يمكن أن تسمح بفتح جبهة فوضى جديدة من الشرق، تدار بواسطة مليشيا لا دولة لها ولا التزام.
الرياض لا تتعامل مع أوهام. وهي تعلم يقينًا أن مليشيا الدعم السريع ليست شريك استقرار، بل مشروع فوضى، وأن الجهة الوحيدة القادرة على ضبط السودان وسواحله وحدوده هي الجيش السوداني كمؤسسة نظامية. من هنا جاء الموقف السعودي عمليًا، لا في البيانات فقط: السودان يجب أن يُدار بجيش، لا بمليشيا.
ومن الرياض إلى القاهرة، تتكامل الصورة. مصر لا تنتظر حتى تتحول الفوضى إلى أمر واقع على حدودها الجنوبية. تمدد الدعم السريع شمالًا، أو اقترابه من تخوم الحدود، يعني تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري. القاهرة تعرف جيدًا أن المليشيات حين تصل إلى الحدود، لا تتوقف عندها، ولهذا كان موقفها حاسمًا: لا قبول بتمدد الدعم السريع، ولا استعداد لدفع ثمن مغامرات غير محسوبة.
هكذا تصبح مآلات الزيارتين واضحة: السعودية تحمي البحر الأحمر، ومصر تحمي حدودها، وفي الحالتين لا مكان لمليشيا الدعم السريع في معادلة الاستقرار. الجيش السوداني هو الخيار الوحيد، ليس لأنه منزّه عن الأخطاء، بل لأنه البديل الوحيد عن الانهيار الكامل.
لكن جوهر الأزمة لا يكمن في الميدان وحده، بل في الخارج. الحقيقة التي يعرفها الجميع ويتجنبون قولها صراحة هي أن مليشيا الدعم السريع ما كانت لتصمد يومًا واحدًا لولا الدعم الخارجي المباشر. دعم مالي، وتسليح، وإسناد سياسي وإعلامي، يأتي في مقدمته دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تورطت – بحسب تقارير أممية وصحفية موثوقة – في توفير الغطاء والتمويل لهذا التمرد، تحت ذرائع استثمارية أو إنسانية زائفة.
الإمارات، وهي تراهن على مليشيا، لم تراهن على استقرار السودان، بل على فوضاه. دعمت كيانًا مسلحًا خارج الدولة، وأسهمت في إطالة أمد الحرب، ودفعت بالسودان إلى حافة الانهيار، في سلوك لا يمكن وصفه إلا بأنه تدخل مباشر في شؤون دولة ذات سيادة. والمفارقة أن هذا الدعم لا يهدد السودان وحده، بل يهدد الأمن الإقليمي الذي تدّعي بعض العواصم الحرص عليه.
ما يجري اليوم في الميدان يؤكد حقيقة واحدة: الجيش السوداني قادر على الحسم. يعيد ترتيب صفوفه، يحشد، ويغلق الثغرات، ويقاتل بعقيدة دولة، لا بعقلية مرتزقة. لكن أي حرب، مهما كانت عدالتها، تطول حين يُضخ المال والسلاح في الطرف المتمرد من الخارج.
لهذا فإن قفل الملف السوداني لا يمر عبر طاولات التفاوض ولا عبر بيانات القلق الدولية، بل عبر قرار واحد واضح:
إيقاف الدعم الإماراتي لمليشيا الدعم السريع، ووقف أي تمويل أو تسليح أو غطاء سياسي لهذا التمرد.
حينها فقط، ستنتهي الحرب.
حينها فقط، سيحسم الجيش السوداني معركة الكرامة.
وحينها فقط، سيكتشف الجميع أن المليشيا كانت تعيش على الأوكسجين الخارجي، لا على قوتها الذاتية.
أما استمرار الصمت، أو التواطؤ، أو لعب الأدوار المزدوجة، فلن يغير الحقيقة:
الدولة السودانية باقية… والمليشيا إلى زوال، مهما طال الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى