الصادق اسماعيل علي يكتب.. نَكزة : عندما تبكي الأمم المتحدة… تعرف أن المليشيا في مأزق!
الصادق اسماعيل علي يكتب.. نَكزة : عندما تبكي الأمم المتحدة... تعرف أن المليشيا في مأزق!

الصادق اسماعيل علي يكتب..
نَكزة : عندما تبكي الأمم المتحدة… تعرف أن المليشيا في مأزق!
* من غرائب السياسة الدولية أن بعض المؤسسات لا تتذكر الإنسانية إلا عندما تقترب المليشيات من الهزيمة، وكأن حقوق الإنسان لا تُبعث من سباتها إلا إذا أصبح الجيش السوداني على أبواب النصر. أما حين كانت المدن تُحرق، والقرى تُباد، والنساء يُغتصبن، والمواطنون يُهجَّرون، فقد أصيبت تلك المؤسسات – ويا للمصادفة – بحالة نادرة من الصمم والعمى وفقدان الذاكرة!
* من خلال يوميات الحرب الوجودية المفروضة على السودان، اعتاد السودانيون سيناريوًّا يتكرر حتى كأنه مكتوب سلفًا. فكلما تقدمت القوات المسلحة السودانية خطوة نحو استئصال المليشيا المتمردة، تدخل أصحاب المشروع الاستعماري لإنقاذها، تارةً بالضغوط السياسية، وأخرى بالدعم الدبلوماسي والإعلامي، وثالثةً بذرف دموع التماسيح على الأوضاع الإنسانية، والمطالبة بهدن إنسانية وفتح ممرات آمنة للمساعدات.
* يا للعجب! فالمليشيا، التي ارتكبت تحت رعايتهم ودعمهم اللوجستي والدبلوماسي والإعلامي جرائم يندر لها مثيل في التاريخ، بلغت حد التطهير العرقي والإبادة الجماعية، لم تستحق منهم بيانًا يرقى إلى حجم المأساة، ولا تحركًا جادًا في الجنينة، ولا الفاشر، ولا الخرطوم، ولا الجزيرة، ولا غيرها من المدن التي دفعت الثمن دمًا وخرابًا.
واليوم يتكرر المشهد نفسه. فبعد أن نصبت القوات المسلحة للمليشيا مقصلة في كردفان، وأصبحت على مشارف فتح الطريق نحو دارفور، ارتفعت فجأة أصوات النحيب، واشتد العويل، وعادت المطالبة بالهدنة والممرات الإنسانية، مع سيل من الشائعات عن كوارث ستقع في الأبيض، وكأن الإنسانية لا تستيقظ إلا عندما تصبح المليشيا قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة.
* والمفارقة الأكثر إثارة للسخرية أن أكثر المتباكين هي الأمم المتحدة نفسها؛ المنظمة التي لم يسمع العالم لها صوتًا يوازي حجم المذابح في غزة، وهي ترى الأطفال والنساء والشيوخ يُقتلون بعشرات الآلاف، ولا وهي تسمع التهديدات العلنية بمحو حضارات ودول من الوجود، ولا وهي تشاهد الاعتداءات المتكررة على دول المنطقة في تحدٍ سافر لكل مواثيق القانون الدولي.
* أما في السودان، فقد غابت عن جرائم المليشيا عامًا بعد عام، وعجزت عن إيصال الإغاثة إلى الفاشر المحاصرة، بينما استطاعت أن تقدم الدعم اللوجستي في مناطق أبعد بمئات الأميال. يبدو أن سيارات الإغاثة – شأنها شأن المواقف السياسية – تمتلك بوصلة خاصة، تعرف جيدًا الطريق إلى حيث تريد القوى الكبرى، وتضل طريقها كلما كان المقصد إنقاذ السودانيين! والتي عجزت أن تصنف المليشيا إرهابية .
* ولا أستغرب سلوك هذه المؤسسات؛ فهي تؤدي الوظيفة التي أنشئت من أجلها كما يراها كثيرون، بوصفها إحدى أدوات الهيمنة الدولية وإدارة مصالح القوى الكبرى. لكن ما يثير الدهشة حقًا هو ما تبذله الحكومة السودانية من وقت وجهد ومال في ملاحقة رضا تلك المؤسسات، بينما الأولى أن يُوجَّه ذلك كله إلى الميدان، وإلى تقوية الجبهة الداخلية وتحصينها.
* لقد تجاوز الشعب السوداني مرحلة الانخداع بهذه المسرحيات، وأصبح يدرك أن الضجيج الإنساني يعلو كلما ضاقت الخيارات أمام المليشيا. ولذلك فإن محاولات بث الشائعات وشق الصف الداخلي لن تغير من حقيقة أن معركة السودانيين اليوم هي معركة وجود، وأن إنهاء التمرد يمثل شرطًا أساسيًا لاستعادة الدولة واستقرارها.
* وليعلم أصحاب المشروع الاستعماري، ومن يدور في فلكهم داخل السودان وخارجه، أن السودانيين لو كانوا يقبلون بهذه الدعوات والترهات، لقبلوا بها يوم كانت المليشيا تسيطر على معظم دارفور، وأجزاء واسعة من كردفان، والخرطوم، والجزيرة، والنيل الأبيض، وتهدد سنجة والدمازين والقضارف، وتقترب من شندي والدبة. أما اليوم، وقد أصبحت القوات المسلحة تتقدم غربًا نحو دارفور، فما الذي يجعل السودان يوقف تقدمه ويمنح خصمه فرصة جديدة لالتقاط أنفاسه؟ إنما هذه هدنة على مقاس الهزيمة ، وان دموع التماسيح لا توقف زحف الجيش نحو هدفه .
* إن دموع التماسيح لا تصنع سلامًا، والهدنة التي تُطلب لإنقاذ المهزوم ليست مبادرة إنسانية، وإنما استراحة محارب تُمنح لطرف واحد. أما السودانيون، فقد تعلموا من هذه الحرب أن يميزوا بين الإغاثة الحقيقية والإغاثة التي تصل دائمًا متأخرة… إلا عندما تكون المليشيا هي المحتاجة إليها.
* دمتم .. سالمين … آمنين … تامين … لامين .




