اعمدة ورأي

تنوير. النعمان حبيب الله التعليم في السودان: دولة تسرق أبناءها علنًا

تنوير. النعمان حبيب الله التعليم في السودان: دولة تسرق أبناءها علنًا

تنوير.
النعمان حبيب الله
التعليم في السودان: دولة تسرق أبناءها علنًا
___________
في بلدٍ يعيش أكثر من 65٪ من مواطنيه تحت خط الفقر، وتقلّ فيه رواتب غالبية العاملين في الدولة عن 200 ألف جنيه، تُصرّ مؤسسات التعليم على التعامل مع الطالب كخزينة متنقلة لا كإنسان له حق أصيل في التعلم.
في المدارس الحكومية، يدفع ولي الأمر في العام الدراسي الواحد – كحد أدنى – ما بين 70 إلى 100 ألف جنيه للطالب الواحد تحت مسميات لا تمت للتعليم بصلة:
رسوم تسجيل، امتحانات، طباشير، كتب، أنشطة، استخراج شهادات، ورسوم “دعم محلية”.
أي أن أسرة لديها ثلاثة طلاب تُجبر على دفع ما يعادل مرتب موظف حكومي لعدة أشهر، فقط لتبقي أبناءها داخل الفصل.
هذه ليست مصروفات تعليم… هذه جباية مقنّعة.
في المقابل، إذا نظرنا إلى دول أفريقية أقل موارد من السودان، نجد أن التعليم الأساسي مجاني بالكامل، وأن الدولة هي من توفّر الكتاب والامتحان والشهادة، لا المواطن المنهك.
حتى في دول تعيش أزمات اقتصادية، لا تُحمّل الدولة فشلها المالي على كاهل التلميذ.
أما المدارس الخاصة في السودان، فقد خرجت نهائيًا من مفهوم التعليم إلى منطق السوق:
رسوم بالدولار أحيانًا، وزيادات سنوية تتجاوز 100٪ دون رقابة أو تسقيف، وكأن الحرب فرصة استثمار لا كارثة وطنية.
والكارثة الأكبر تبدأ عند الجامعات…
هنا لا نتحدث عن خلل، بل عن فساد مؤسسي.
رسوم استخراج شهادة جامعية اليوم تتراوح بين 300 إلى 800 ألف جنيه، أي ما يعادل 2 إلي4 مرات مرتب موظف حكومي متوسط.
طالب قضى خمس سنوات يدرس في ظروف حرب، ونزوح، وانقطاع كهرباء، وغلاء، يُفاجأ بأن شهادته محتجزة حتى يدفع ما لا يملك.
في أي دولة محترمة، الشهادة حق مكتسب.
في السودان، أصبحت سلعة ابتزاز.
أي منطق يسمح لدولة عاجزة عن توفير التعليم أن تتقاضى ثمنًا لشهادة لم توفّر لها بيئة تعليم حقيقية؟
وأي إصلاح يُرجى، والجامعات تُدار بعقلية الجباية لا بعقلية بناء العقول؟
المسؤولية السياسية والأخلاقية تقع مباشرة على وزير التربية والتعليم، لكنها بالأساس على رئيس مجلس الوزراء.
فإما أن يكون التعليم أولوية وطنية، أو نكفّ عن الكذب على أنفسنا.
هذه فرصة أخيرة لرئيس الوزراء ليُثبت أنه جاء ليخدم الناس لا ليُدير الأزمة:
قرار سيادي واضح بإلغاء الجبايات، توحيد الرسوم، تسقيف التعليم الخاص، وإيقاف ابتزاز الشهادات الجامعية فورًا.
غير ذلك، فالدولة تعلن عمليًا أنها تُعاقب المواطن لأنه حاول أن يعلّم أبناءه.
وحين يصبح التعليم جريمة، فاعلم أن الوطن كله في قفص الاتهام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى