اعمدة ورأي

تنوير النعمان حبيب الله ——————– «الخرطوم تقلب الطاولة: لا هدنة تُنقذ المليشيا ولا وصاية فوق قرار الدولة»

تنوير النعمان حبيب الله -------------------- «الخرطوم تقلب الطاولة: لا هدنة تُنقذ المليشيا ولا وصاية فوق قرار الدولة»

تنوير
النعمان حبيب الله
——————–
«الخرطوم تقلب الطاولة: لا هدنة تُنقذ المليشيا ولا وصاية فوق قرار الدولة»
——————–
في المشهد السوداني المتشابك، برز موقف الحكومة من الهدنة الرباعية كرسالة واضحة لا تقبل التأويل. فبينما سارعت مليشيا الدعم السريع إلى إعلان قبولها للهدنة في محاولة مكشوفة لتلميع صورتها أمام العالم، جاءت الخرطوم لتقول كلمتها: لا هدنة مع مليشيا ما تزال تحتل المدن، وتمارس القتل والانتهاكات، وتبحث عن شرعية سياسية عبر بوابة المبادرات الدولية. كانت الخطوة الرباعية محاولة لتجميل وجه الأزمة، لا لمعالجتها من جذورها، لأنها قفزت فوق السؤال الأكبر: كيف يمكن لسودان يحترم نفسه أن يقبل سلامًا مع قوة مسلحة خارج الدولة، قبل أن تضع سلاحها وتخضع لسلطان القانون؟
قبول الدعم السريع للهدنة بدا محاولة يائسة لتقديم نفسه كطرف مرن، بينما الحقيقة التي يعرفها الجميع أن هذه المليشيا لم تتوقف يومًا عن تجاوزاتها، لا في الجنينة، ولا في الخرطوم، ولا في الفاشر التي حاصرتها لعام ونصف. ومن السذاجة الاعتقاد بأن توقيعًا على ورقة سيحوّل هذه القوة من مليشيا منفلتة إلى شريك سياسي. لذلك جاء الموقف الرسمي أكثر صلابة مما توقع البعض، رافضًا أي معادلة تُساوي بين جيش وطني وبين جماعة مسلحة تبحث عن البقاء عبر المناورات السياسية.
هذا الرفض لم يكن هروبًا من السلام، بل رفضًا لسلام مفخخ، محشو بثغرات تمنح الدعم السريع فرصة لإعادة تجميع صفوفه، وشراء الوقت، وتحسين موقعه الميداني والسياسي. الحكومة تدرك أن كل هدنة لا تُنهي سلاح المليشيا هي مجرد تمديد للأزمة، وليست بداية لحل. ولذلك رُفضت الوساطة الرباعية بهذه الصيغة، لا لأنها مبادرة دولية، ولكن لأنها افتقرت إلى أهم شرط يضمن بقاء الدولة نفسها: احتكار السلاح.
وبينما ظن البعض أن الضغط الدولي قد يجبر السودان على القبول، كان الرد أوضح وأشد: لن يُدار السودان من الخارج، ولن يُفرض عليه إطار يسوّي بين الضحية والجلاد. فالجيش يرى أن المعركة ليست معركة مواقع فحسب، بل معركة وجود، وأن أي وقف لإطلاق النار لا يُنهي وجود المليشيا هو تنازل عن مستقبل البلاد.
هكذا سقطت الهدنة الرباعية، وسقطت معها المناورة التي أراد بها الدعم السريع الظهور بمظهر الحريص على السلام. وبقيت الحقيقة وحدها على الطاولة: السلام في السودان يبدأ من نقطة واحدة فقط، هي نزع السلاح، وكل ما عدا ذلك مجرد تجميل مؤقت لن يغيّر شيئًا في الواقع. الرفض السوداني لم يكن رفضًا للسلام، بل رفضًا لسلام زائف، أراد البعض تمريره بطريقة لا تحترم دماء القتلى ولا آلام النازحين ولا ذاكرة المدن المحروقة. وفي النهاية، يبقى الطريق واضحًا لمن يريد أن يراه: سلام حقيقي بعد إنهاء التمرد، لا سلام يُبقي النار تحت الرماد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى