اعمدة ورأي

فريد منجا مكي يكتب.. قراءة تحليلية في مسار الحركة الإسلامية السودانية: من المعارضة إلى الحكم ثم العودة إلى المعارضة

فريد منجا مكي يكتب.. قراءة تحليلية في مسار الحركة الإسلامية السودانية: من المعارضة إلى الحكم ثم العودة إلى المعارضة

فريد منجا مكي يكتب.. قراءة تحليلية في مسار الحركة الإسلامية السودانية: من المعارضة إلى الحكم ثم العودة إلى المعارضة

تُعد تجربة الحركة الإسلامية السودانية واحدة من أكثر التجارب الجدلية في المجالين السياسي والفكري في السودان والعالم العربي. فهي أول حركة ذات مرجعية إسلامية تصل إلى السلطة كاملةً عبر انقلاب عسكري، متكئة على إرث فكري وتنظيمي مستمد من مدرسة الإخوان المسلمين، مع خصوصية سودانية فرضتها البيئة السياسية والاجتماعية والثقافية.
*أولًا: الحركة الإسلامية في طور المعارضة*… بناء المشروع وتكوين الفكرة
لوقتٍ طويل، ظلت الحركة الإسلامية تنشط في فضاء المعارضة، تبني خطابها على نقد الحكومات المتعاقبة، وتطرح نفسها كبديل إصلاحي قادر على تقديم نموذج مختلف للحكم. وقد ساعدها في ذلك عدة عوامل:
تنظيم محكم وتربية فكرية منضبطة.
خطاب تعبوي قادر على الوصول إلى فئات واسعة من المجتمع.
قراءة دقيقة لثغرات الأنظمة الحزبية والعسكرية التي حكمت السودان منذ الاستقلال.
في هذه المرحلة، قدمت الحركة الإسلامية رؤيتها السياسية عبر مشروع “النهضة الإسلامية”، وطرحت خطابًا بشّر بنموذج جديد يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الشريعة ومتطلبات الدولة الحديثة.
*ثانيًا: الحركة الإسلامية في الحكم*… نجاحات وإنجازات مقابل إخفاقات وانقسامات
عندما وصلت إلى السلطة عام 1989، وبدأت في تطبيق مشروعها من موقع الحكم، وجدت نفسها أمام واقع أكثر تعقيدًا مما بدا في سنوات المعارضة. ومع ذلك، لا يمكن إغفال حقيقة أن تجربتها في الحكم مثلت أول اختبار عملي لحركة إسلامية ذات مشروع شمولي في العالم العربي.
*1. النجاحات والإيجابيات*
عند تقييم التجربة باعتبارها جهدًا بشريًا، نجد أن إنجازاتها كانت ملموسة في جوانب عديدة، خاصة عند مقارنتها بأداء الحكومات السابقة واللاحقة:
توسع عمراني وخدمي ملحوظ في الطرق، الجسور، وبعض المشاريع الاقتصادية.
تقوية مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية.
بناء شبكة علاقات خارجية متعددة الاتجاهات.
إدخال إصلاحات إدارية ومالية — رغم الجدل حول مخرجاتها.
هذه الإيجابيات، وفق العديد من القراءات، تتفوق — كأداء حكومي — على ما قدمته بعض الحكومات المدنية والعسكرية التي سبقتها، وكذلك على حكومات الفترة الانتقالية بعد 2019، التي عانت من ضعف التنسيق وغياب الرؤية وتنازع مراكز القوى.
*2. الإخفاقات والانقسامات*
لكن التجربة لم تمضِ على وتيرة واحدة. فقد شكّلت الانقسامات، خصوصًا في العشرية الأولى، *مذكرة العشرة والانقسام إلى مجموعتين (القصرو المنشية) مؤتمرين شعبي ووطني*بداية تآكل داخلي حاد في بنية المشروع:*
خلافات مفصلية لاحقة أدت لانقسام مجموعة *”الإصلاح الآن”.غازي صلاح الدين ومجموعته*
بروز خطاب أكثر راديكالية أدى إلى بروز انشقاق جديد *”منبر السلام العادل*”. *الراحل الطيب مصطفى ومجموعته*
*صراع مراكز نفوذ داخل الدولة والحركة*.
هذه الانشقاقات كانت أشبه بالقشة التي قصمت ظهر البعير، إذ قوضت وحدة المشروع وفتحت الباب أمام مسار متدرج من التراجع والتآكل.
*ثالثًا: العودة إلى المعارضة*… مراجعات أم ارتداد إلى المربع الأول؟
بعد سقوط الحكم في 2019، وجدت الحركة نفسها مرة أخرى في موقع المعارضة، لكن *بظروف مختلفة تمامًا*:
صورة ذهنية متباينة لدى الجمهور، بين من يرى التجربة فاشلة ومن يرى أنها الأفضل مقارنة بما تلاها.
انقسام داخل الصف الإسلامي بين تيارات إصلاحية وأخرى متشددة في خطابها.
بيئة سياسية تتسم بالاستقطاب الحاد، وصعود خطاب يحمّل الحركة كامل أزمات السودان.
ومع ذلك، فإن وجود الحركة في المعارضة اليوم يمنحها فرصة تاريخية لإجراء مراجعات عميقة:
تقييم تجربتها بعيدًا عن التمجيد أو الشيطنة.
إعادة بناء مشروع سياسي يتواءم مع متطلبات الدولة الحديثة.
تقديم خطاب سياسي أقل أيديولوجية وأكثر واقعية، يستفيد من الإخفاقات السابقة ولا ينكر ما تحقق من إنجازات.
*خاتمة: بين التجربة والدروس*
إن تجربة الحركة الإسلامية في السودان ليست مجرد فصل عابر في تاريخ البلاد، بل هي سفر طويل من الاجتهادات، فيه نجاحات لا تُنكر، وإخفاقات لا يمكن تجاوزها. وإذا ما تم التعامل معها بوصفها تجربة بشرية قابلة للتقويم — لا مقدسة ولا منبوذة — فإن إيجابياتها تبدو أكبر من سلبياتها مقارنة بأداء حكومات ما قبلها وما بعدها.
إن مسار الحركة الإسلامية السودانية، بكل ما فيه من مدّ وجزر، يظل تجربة سياسية كبرى لا يمكن التعامل معها بخفة أو اختزال. فهي مشروع فكري وتنظيمي خاض اختبار الدولة ثلاثين عامًا، ثم دخل امتحان المعارضة من جديد في ظروف وطنية بالغة التعقيد. وما بين نجاحات الحكم وإخفاقاته، وبين شعارات المعارضة وتحدياتها، *تقف الحركة اليوم أمام مفترق طرق حاسم*:
إما أن تستلهم دروس الماضي وتعيد قراءة تجربتها بصدق وشجاعة، فتتجاوز انقساماتها الداخلية وتعيد بناء ذاتها بروح تصالحية جديدة؛
وإمّا أن تظل أسيرة صراعات الشرعية بين المجموعات المتنافسة، فيتشتت مشروعها وتضيع فرصها في التأثير على مستقبل السودان.
لقد أثبتت التجربة أن الخطر الأكبر على الحركة لم يكن خصومها، بل الخلافات داخلها، وأن غياب الحسم التنظيمي—كما يظهر اليوم في تراجع دور مجلس الشورى وصراع مجموعتي مولانا أحمد هارون والمهندس إبراهيم حامد—يمثل التحدي الأكثر إلحاحًا. ولا سبيل للعبور إلى مرحلة جديدة إلا بتجديد الرؤية، وتقديم خطاب سياسي يعلي شأن الوطن فوق الأفراد، ويجعل من النقد الذاتي أساسًا للتجديد لا مدخلًا للتفكك.
*وتبقى الحقيقة الجوهرية*:
أن مستقبل الحركة، وموقعها في معادلة السياسة السودانية، لن يحدده الماضي وحده، بل قدرتها على قراءة الحاضر بوعي، وبناء المستقبل بإرادة واعية، وتوحيد صفوفها قبل أن تطلب من الآخرين الالتفاف حولها.
*ويبقى السؤال الأهم*:
هل تمتلك الحركة الإسلامية اليوم القدرة على تجديد نفسها، وتجاوز إرث الانقسامات، وتقديم مشروع سياسي يستجيب لمتغيرات السودان بعد 2019؟
هذا السؤال وحده كفيل بتحديد مستقبلها، سواء بقيت في المعارضة أو عادت إلى سدة الحكم في أي شكل من الأشكال.
*١٦ نوفمبر ٢٠٢٥*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى