تقارير

درة الكرم السوداني الأصيل : أهالي “ستة عرب” وعائلة أبو جنة.. نسيج إنساني في زمن الشتات

درة الكرم السوداني الأصيل : أهالي "ستة عرب" وعائلة أبو جنة.. نسيج إنساني في زمن الشتات

درة الكرم السوداني الأصيل : أهالي “ستة عرب” وعائلة أبو جنة.. نسيج إنساني في زمن الشتات

تقرير: عرفة خواجة

(ستة عرب) – في قلب جغرافية المعاناة، حيث يفرّ الناس بحثاً عن ملاذ من ويلات الحرب، تبرز قصص الكرم كشعلة تنير دروب الظلام. هنا، في قرية “ستة عرب”، لا يعدُّ الكرم مجرد قيمة عابرة، بل هو موروث متجذر في أعماق التاريخ، تتصدر في حماه عائلة أبو جنة، حاملةً راية الكرم الفياض التي توارثتها أجيالاً.

الديوان.. حيث البيت ليس حجراً بل هو قلبٌ مفتوح

لم تكن استضافة النازحين عملاً عابراً لأهالي القرية، ولا لعائلة أبو جنة تحديداً، بل كانت واجباً إنسانياً فرضته الأخلاق والأصالة. فتحت العائلة ديوانها الكبير، الذي يعد بمثابة القلب النابض للعائلة والقبيلة، أبوابه على مصراعيها لاستقبال ما يقارب 45 أسرة نازحة، محوّلة إياه إلى ملاذ آمن ومسكن دافئ يجسد معنى “الجار للجار” في أسمى صوره.

يقول الشيخ صديق أحمد نصر الدين، شيخ قبيلة أبو جنة وزعيم أهالي القرية: “استقبال الضيف والنازح هو دين في أعناقنا، ورثناه عن آبائنا وأجدادنا. ديواننا هو بيت لكل محتاج، ونحن لا نعتبر ما نقدمه إحساناً، بل هو واجب نقوم به لله ثم للإنسان.”

جذور تضرب في عمق التاريخ.. وسجل حافل بالعطاء

لم يأتِ هذا الكرم من فراغ، فعائلة أبو جنة هي فرع من فروع رفاعة الكبرى، التي حكمت السودان لأكثر من ثلاثمائة عام، مما ورّث أبناءها حساً رفيعاً بالمسؤولية والقيادة. وتنتشر العائلة التي تضم أكثر من 60 أسرة في قرى مثل ستة عرب والعراقيل وأم القرى، مشكّلة النسيج الاجتماعي الأكبر في المنطقة.

ويشير طارق رزق الله الفكي، أحد رموز العائلة، إلى أن هذا العطاء هو امتداد لإرث أسلافهم الذين شاركوا بإيمان راسخ في الثورة المهدية، مثل الفكي عبدالله ود الفكي البشير والفكي عبدالله ود الفكي النور. “هذا الدم نفسه الذي سال في سبيل المبادئ، يسري في عروقنا اليوم دافعاً إيانا لنجدة المنكوبين ومواساة المحتاجين.”

الكرم ليس مأكلاً ومشرباً فقط.. بل علماً وأخلاقاً

لا يقتصر عطاء عائلة أبو جنة على المأوى والطعام، بل يتعداه إلى بناء الإنسان. ففي عام 2008، أسست العائلة مجمعاً لتحفيظ القرآن الكريم، كان بمثابة منارة علم في القرية. وقد أثمر هذا المجمع عن تخريج أجيال متعاقبة من الحفظة، وصل بعضهم إلى مناصب مرموقة في المجتمع، مثل الأطباء الذين تخرجوا من جامعة القرآن الكريم، والتي قبلوا فيها مجاناً بفضل تأهيلهم في مجمع العائلة.

خلاصة: نسيج إنساني يتحدى الحرب

في ظل ظروف بالغة القسوة، تقدم قرية ستة عرب وعائلة أبو جنة نموذجاً نادراً للتكافل الاجتماعي والإنساني. هم لم يبنوا جدراناً، بل فتحوا قلوبهم وبيوتهم، مؤكدين أن أعظم القلاع هي تلك المبنية من المروءة والكرم. في ديوانهم، وفي قلوبهم، يجد النازح ليس فقط سقفاً يحميه، بل كرامةً تذكر الجميع بأن الإنسان، في أحلك الأوقات، يظل قادراً على أن يكون مصدراً للنور والعطاء.

—

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى