عرس كسلا الديمقراطي: عندما يكتب الشباب مستقبلهم بأيديهم
عرس كسلا الديمقراطي: عندما يكتب الشباب مستقبلهم بأيديهم

عرس كسلا الديمقراطي: عندما يكتب الشباب مستقبلهم بأيديهم
بقلم: عرفة خواجة
من عمق كسلا، حيث تُلملم رياح التغيير ذكريات الماضي وأحلام المستقبل، تنبعث رسالة أمل جديدة للسودان. إنه المؤتمر العام الثاني للجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة، الذي لا يُختزل في كونه تجمّعًا سياسيًا تقليديًا، بل هو إعلانٌ صريح عن ولادة مرحلة جديدة، مرحلة يُسلّم فيها المشعل للشباب ليرسموا بخبرات الكبار ومُثُلهم مستقبلًا مختلفًا.
ما يحدث في كسلا هذه الأيام هو أكثر من مجرد “تقليد تنظيمي”، كما وصفه القائد الأمين داؤد بحق. إنه نموذج عملي يحتذى به في زمن انشطرت فيه الساحة السياسية بين كيانات شاخت مفاهيمها وأخرى حديثة تائهة لم تنضج بعد. الجبهة تقدم هنا درسًا في الاستمرارية والمرونة؛ استمرارية المبادئ ومرونة الأدوات. فالجمع بين أكثر من خمسة آلاف مصعد من مختلف المناطق، بما فيهم المهنيون والعسكريون والإدارات الأهلية، هو تأكيد على أن القوة الحقيقية تكمن في التوحد حول مشروع وطني شامل، لا في التشرذم حول الخلافات الضيقة.
اللافت في هذا “العرس الديمقراطي” هو التركيز الواضح على المضامين لا الشكليات. فالأوراق المطروحة للنقاش – السياسية والاقتصادية والتنظيمية – تلامس لبّ الأزمة السودانية: كيف نبني دولة مستقرة؟ وكيف نواجه التحديات الاقتصادية الطاحنة؟ وكيف نؤسس أحزابًا سياسية قائمة على التخطيط الاستراتيجي وليس على ردود الأفعال العاطفية؟ هذه أسئلة مصيرية تبحث عن إجابات، وكسلا تقدم نفسها كورشة مفتوحة لهذا الحوار المصيري.
ولعل العبرة الأكبر تكمن في الإيمان الراسخ بالشباب. فالقادة الحقيقيون ليسوا أولئك الذين يسيطرون على المنصات لأطول فترة، بل هم الذين يبنون منصات جديدة ليصعد عليها غيرهم. إن وصف المؤتمر بأنه “محطة استراتيجية لإشراك شباب وشابات شرق السودان في قيادة العمل السياسي الفعلي” هو اعتراف بأن المستقبل لا يُورث، بل يُبنى بالثقة والتأهيل والتسليم.
في وقت يتخبط فيه السودان بين الماضي الذي لن يرحل والحاضر الذي يرفض الاستقرار، تظهر كسلا كنموذج مختلف. إنها لا تقدم وعودًا وردية، بل تقدم عملية ديمقراطية حية، تختبر الأفكار وتصقل الكفاءات وتؤسس لقيادة جماعية. إنها تخبرنا أن شرق السودان، الذي طالما شعر بالتهميش، يمكن أن يتحول من هامش إلى مركز، “منصة محورية” لإعادة البناء، كما تقول ديباجة المؤتمر.
العرس الديمقراطي في كسلا هو دعوة للجميع كي يتعلموا: تعلم الأحزاب القديمة كيف تتجدد، وتعلم الكيانات الجديدة كيف تتأسس، ويتعلم السودانيون أن التغيير يبدأ من الداخل، حينما نؤمن بأن مستقبل البلاد يجب أن يُوضع في أيدي أبنائها، لا في يد أيقونات الماضي أو وعود الخارج.
فليكن “عرس أغسطس” هذا شرارة وعي، كما ينشد شعاره، وليكن بداية لمسار جديد، يسير فيه السودان بثبات نحو الاستقرار والازدهار.




