اخبار

مراد بلة يكتب.. مدارات.. نداء جنوب كردفان: صرخة من بين الأنقاض

مراد بلة يكتب.. مدارات.. نداء جنوب كردفان: صرخة من بين الأنقاض

مراد بلة يكتب.. مدارات.. نداء جنوب كردفان: صرخة من بين الأنقاض

من رحم المعاناة ومن عمق المأساة ومن بين الأنقاض يخرج نداء جنوب كردفان كما يخرج النور من باطن الغيوم مبادرة أهلية وشعبية تكسر طوق الصمت والتجاهل وتجسّد مقاومة إنسانية وأخلاقية لما يعيشه إنسان هذه الولاية من أوضاع كارثية نتيجة للحصار المضروب عليها من جهتين؛ قوات الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو من جهة، وقوات الدعم السريع من أخرى. هذا الحصار الخانق حوّل مدن كادقلي والدلنج والمناطق المجاورة إلى ساحات جوع مفتوح، وإنعدام شبه تام للغذاء وشح في الدواء، في مشهد يعكس تراجيديا الجوع و يشبه المجاعات الكبرى التي لطالما قرأنا عنها في كوارث التاريخ الإنساني..مثل مجاعة الصين والهند ومثل المجاعة التي ضربت فرنسا..
التحولات السياسية والعسكرية التي شهدها السودان خلال السنوات الماضية، منذ سقوط نظام البشير، وضعت عبد العزيز الحلو في موقع نشاز، بعد أن رفض المشاركة في العملية السياسية التي قادتها قوى الحرية والتغيير، وإنضمت لها معظم الحركات المسلحة عبر إتفاق جوبا تمسّك الحلو بموقفه الشهير قائلاً “سألعب المباراة النهائية”، والذي بدا في حينه تعبيراً عن تحفظه على التسوية، لكنه لاحقاً تحول إلى عنوان لموقف سياسي معزول أسهم في تعقيد المشهد في جنوب كردفان..
ومع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع التي تمردت على الدولة حاولت الحركة الشعبية إستغلال (الظرف) العسكري المعقد فبدأت تحركات ميدانية في المناطق المتاخمة لنفوذها بهدف تطويق كادقلي والدلنج. غير أن الأخطر بحسب مراقبين، هو ما ظهر من تقاطع ميداني – غير معلن – بين قوات الحلو وقوات الدعم السريع وهما للدهشة خصمان تأريخيان بمشاريع متضادة تماماً، وهو ما وُصف بأنه تحالف براغماتي وغير أخلاقي، خاصة في ظل التبعات الإنسانية الكارثية التي خلّفها هذا الحصار المشترك على سكان الولاية..
في ظل هذه التطورات، برزت مبادرة “نداء جنوب كردفان” كحراك شعبي يقوده قيادات وأعيان من أبناء الولاية يتقدمهم الأستاذ/محمد سومي والقيادي البارز المعز مجذوب بجانب النوراني كما توجد قيادات من الوزن الثقيل منهم الوزير السابق بشارة أرو والأستاذة علياء أبونا الأمين العام للمجلس الأعلى للسلم المجتمعي والدكتور العلامة سليمان حديد وآخرين ذلك لإبراز هذه القضية الإنسانية .. وتطالب بكسر الحصار وتقديم الدعم العاجل للمدنيين وإعادة تسليط الضوء على ما يجري في جنوب كردفان والذي لا يقل مأساوية عن ما يحدث في الفاشر أو غيرها من المدن المنكوبة..
المبادرة بدأت تتحرك على محورين رئيسيين؛ الأول ميداني يعمل على تعبئة الشباب والمقاتلين من أبناء المنطقة للإلتحاق بالتشكيلات المدافعة عن المدنيين خاصة متحرك “الصياد”، الذي يشكوا الكثيرون من بطء دوران (تروسه) وضعف الدعم المقدم له و (تملص) قيادات عليا منه أما المحور الثاني فهو إنساني ودبلوماسي، يسعى لحشد الجهود لإيصال المساعدات عبر تنسيق محتمل مع دولة جنوب السودان، بجانب الضغط على الجهات الرسمية والمنظمات الدولية لكسر الحصار الإنساني.
وفي هذا السياق نظمت المبادرة عدداً من القوافل الإنسانية وشكلت وفوداً ميدانية لزيارة المناطق القريبة من التماس، بغرض مناصرة السكان ومخاطبة القيادات الأهلية في مناطق سيطرة الدعم السريع، للضغط من أجل فتح ممرات آمنة، والسماح لمنظمات الغوث بالعمل..
كما تحرك “نداء جنوب كردفان” باتجاه تفعيل الدبلوماسية الشعبية، عبر حملات إعلامية وتواصل مع السودانيين في المهجر، ومنظمات دولية للدفع بمأساة الحصار الإنساني إلى واجهة الإهتمام الإقليمي والدولي، واستلهمت المبادرة في حراكها تجربة التضامن العالمي مع غزة، حيث ساهم الضغط الشعبي هناك في إحداث إختراقات إنسانية مهمة، في ظل الإنتهاكات الإسرائيلية ، ووفق ما جاء في بعض خطابات قيادات النداء فإن المقارنة ليست عبثية إذ أن المليشيا الجنجويدية بحسب وصفهم، لا تختلف في ممارساتها عن الإحتلال، سواءاً من حيث الإستهداف الممنهج للمدنيين أو من حيث منع الغذاء والدواء عن المتضررين..
ورغم أن التحديات التي تواجه المبادرة كبيرة إلا أن نداء جنوب كردفان تمكن خلال الفترة الماضية من تحقيق عدد من المكاسب الرمزية والميدانية فقد أعاد تسليط الضوء على الأزمة، بعد أن طغى دخان الحرب في الخرطوم على ما سواه، كما نجح في تنظيم مبادرات لدعم داخلي وخارجي، وتوسيع قاعدة المشاركة ما جعله يؤسس عملياً لما يمكن أن يكون مشروع “كردفان الكبرى”، كإطار جامع يُعيد ترتيب أولويات الإقليم ويرفع قضيته إلى مستوى قومي..
اللقاء المرتقب لقيادات المبادرة في الأيام القليلة القادمة يُنتظر منه أن يكون محطة مفصلية في تطوير هذا المشروع وتحويل “النداء” من مجرد فعل إستغاثة إلى برنامج عمل سياسي وإنساني متكامل، يضع في قمة أولوياته دعم القوات المسلحة وحماية المدنيين ورفع الظلم عن المناطق المحاصرة..
ويجب التأكيد على أن ما يحدث في جنوب كردفان لم يعد شأناً محلياً. هو جرح وطني لم يندمل بعد.. وصمت الدولة والمجتمع الدولي حياله يُعد شيئاُ مقلقاً. ولأن الصمت في مثل هذه القضايا لا يمكن أن يكون حياداً لذا فإن “نداء جنوب كردفان” هو بداية لكسر حلقة هذا الصمت، وبداية لمعركة أخلاقية لا تقبل التأجيل..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى