اعمدة ورأي

نداء جنوب كردفان/جبال النوبة: بين التدجين والاحتواء بقلم: النوراني محمد عبد الرحمن

نداء جنوب كردفان/جبال النوبة: بين التدجين والاحتواء بقلم: النوراني محمد عبد الرحمن

نداء جنوب كردفان/جبال النوبة: بين التدجين والاحتواء بقلم: النوراني محمد عبد الرحمن

استهلّ هذا المقال بكلمات الشاعر الكتيابي، التي تلامس الحقيقة وتحاكي حال المبادرات الصادقة عندما تُجابه بجدران السياسة الباردة:

> على كيفي..
أرقع جبتي أولا أرقعها..
أطرّزها من اللالوب .. ألبسها على المقلوب..
أخلعها .. على كيفي.
أنا لم أنتخب أحدًا..
وما بايعت بعد محمد رجلًا.
ولا صفقت للزيف..
لماذا أعلنوا صوري؟
لماذا صادروا سيفي..؟
أنا ما قلت شيئا بعد حتى الآن.
هكذا يعبّر الشعر حين يسبق الواقع، ويكشف المستور دون مواربة.

انبثقت مبادرة نداء جنوب كردفان/جبال النوبة من رحم المعاناة الخالصة، استجابة لآهات المرضى، وصوتًا للجوْعى الذين لم يعودوا يملكون قوت يومهم، حتى باتوا يقتاتون من أوراق الأشجار، ويزاحمون الأغنام في مراعيها. لم تكن المبادرة سياسيّة في أصلها ولا غايتها، بل نفيرًا إنسانيًا خالصًا، هدفه الأول والأخير نجدة المنكوبين، بعيدًا عن أدوات السياسة المبتذلة التي ما إن تطل برأسها، تضيع الحقيقة ويخبو صوت الضمير.

لكن كعادة الرياح في هذه البلاد، لا تأتي بما تشتهي السفن. سرعان ما أطلت السياسة بوجهها، لتختطف المبادرة وتحاول إعادة قولبتها، تحت شعارات مموّهة من قبيل: “دعم قيادتنا الرشيدة”، و”وفاءً للقادة”. هكذا بدأ مشروع إنساني خالص يتجه تدريجيًا نحو التسييس، وتحوّل إلى بازار سياسي جديد، الهدف منه إعادة إنتاج الوجوه ذاتها التي أرهقت هذا الشعب في دورات لا تنتهي من الخداع.

لسنا من أنصار النقد الهدّام، لكن حين تُختطف مبادرة إنسانية، فإن قول الحقيقة يصبح واجبًا لا رفاهية. لقد انحرفت المبادرة عن مسارها، وتحولت في لحظة خاطفة إلى مسرح مفتوح لأجندات سياسية ضيقة، ونافذة لتسويق الوجوه المكرّرة. ومنذ متى كان الجوع مدخلًا للتكسب؟ أو المسغبة وسيلة لتلميع الوجوه؟ كيف تتحوّل صرخة جوع إلى خطاب تعبئة سياسية؟ إنها الانتهازية في أبهى تجلياتها.

إن نداء جنوب كردفان ليست بطاقة عبور إلى قصور السلطة، ولا جسرًا لتمجيد الساسة، بل عهدا قطعناه مع إنسان المنطقة الجريح: أن تظل المبادرة خالصة لوجه الإنسانية،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى