ديسمبر… الثورة التي أكلتها الأحزاب والجنجويد د.أيمن محجوب عبد الله محمد
ديسمبر… الثورة التي أكلتها الأحزاب والجنجويد د.أيمن محجوب عبد الله محمد

ديسمبر… الثورة التي أكلتها الأحزاب والجنجويد
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
الشعب السوداني لا ينسى، لكنه أيضًا لا يرحم. ثورة ديسمبر التي خرجت من أحشاء المعاناة، وصنعتها دماء الشباب في الشوارع، لم تسقط تحت رصاص البشير وكتائبه، لكنها سقطت في فخ آخر أشد قسوة: سرقة الثورة على أيدي من ادّعوا حمايتها.
لم تمضِ سوى شهور على سقوط النظام البائد، حتى انقضّت عليها أحزاب هشة، متهالكة، عاشت حياتها السياسية على هامش التاريخ، فجعلت من دماء الشهداء سلّمًا لتوزيع المناصب والكراسي. أحزاب لم يكن لها حضور في الشارع أيام الثورة، لكنها فجأة ظهرت كأنها صاحبة الفضل، وتسللت إلى جسد الثورة مثل الطفيليات، تمتص ما تبقى من طاقتها.
اختطاف الجنجويد… من الشوارع إلى القصر:
ثم جاء الخنجر المسموم: الجنجويد، الابن الشرعي لنظام البشير، القوة التي صنعها النظام البائد ورعاها لتكون ذراعه في القتل والقمع والانتهاكات. وعندما اندلعت ثورة ديسمبر، لم يتردد الجنجويد في ارتكاب أبشع جرائمها، فاقتحموا ميدان القيادة العامة في مجزرة شهد عليها التاريخ، وسالت فيها دماء المعتصمين الأبرياء على مرأى العالم. لكن الصدمة الكبرى لم تكن في الجريمة، بل في المكافأة التي قدمتها قوى الحرية والتغيير لهذه المليشيا: تمكينها في السلطة ومنحها شرعية سياسية، في بيع رخيص لدماء شهداء ديسمبر.
لم يكن ذلك تحالفًا سياسيًا بريئًا، بل عملية اختطاف مكتملة الأركان للدولة، جعلت المليشيا شريكًا في صياغة مستقبل البلاد، ومنحتها اليد الطولى في التحكم بالقرارين السياسي والعسكري. لم يشارك الجنجويد في الثورة لإكمال مسيرتها، بل لحماية مصالحهم الخاصة، وقطع الطريق أمام قيام جيش وطني قوي ودولة مدنية حقيقية. والنتيجة نراها اليوم بوضوح: حرب تمزّق السودان من الداخل، أشعلتها نفس المليشيا التي احتضنها قادة الفترة الانتقالية وفتحوا لها أبواب الدولة.
من حلم الحرية إلى كابوس الحرب:
كان الشارع يهتف بملء حنجرته: “حرية، سلام، وعدالة”، لكن الواقع انقلب رأسًا على عقب؛ فالحرية التي سالت من أجلها الدماء تحولت إلى سجون جديدة من الخوف والبطش، والسلام الذي حلم به السودانيون تبدّد في ألسنة نار حرب مزقت السودان وحرقت الأخضر واليابس، أما العدالة فدُفنت مع جثث الشهداء الذين ما زال قتلتهم طلقاء يسرحون بلا حساب. لم تكتفِ الأحزاب التي اختطفت الثورة بالفشل الذريع، بل صنعت انقسامًا مدمّرًا، وانشغلت بالصراع على الغنائم، لتفتح الأبواب مشرعة أمام الجنجويد كي يصبحوا اللاعب الرئيسي في المشهد. وهكذا، قادت هذه التحالفات المسمومة السودان بخطى ثابتة نحو الانفجار، حتى سقطنا جميعًا في جحيم الحرب التي التهمت البلاد.
الشعب يستفرغ الخيانة:
كيف لشعبٍ اغتُصبت نساؤه، وسُرقت ممتلكاته، وهُجّر من بيته تحت تهديد السلاح، أن يصدّق سارقي ثورته وهم يتحالفون مع الجنجويد لتأسيس حكومة موازية؟! شعبٌ ذاق الخيانة مرّتين: مرةً على يد القتلة، ومرةً على يد من ادّعوا تمثيله وهم يبيعون دماءه في سوق السياسة الرخيصة. اليوم، كفر السودانيون بالمنافقين الذين يرفعون شعارات صارت تُثير الغثيان بمجرد سماعها، بعد أن فرغت من معناها وتحوّلت إلى لافتات كاذبة لتزيين وجوه ملطخة بالخيانة. أدرك الشارع أن ما جرى لم يكن ثورة كاملة، بل نصف ثورة، والنصف الآخر كان انقلابًا ناعمًا أعاد إنتاج السلطة في يد مليشيا وأحزاب من ورق.
الخلاصة
الحرب التي تشتعل في السودان اليوم ليست قدرًا مفروضًا من السماء، بل هي نتيجة مباشرة لسرقة الثورة، وبيعها في سوق المساومات السياسية. والأحزاب الهشة والجنجويد شركاء في الجريمة، كلٌ بطريقته.
وإذا كان للشعب أن ينهض من جديد، فعليه أن يتعلم الدرس: الثورات لا تُسلّم لأحزاب عفا عليها الزمن، ولا تُترك في أيدي مليشيات، بل تُحمى بالوعي والسواعد التي أشعلتها.




