
علي محمد طاهر علام..يكتب الفاشر.. مدينة تُحاصر حتى الموت: من ينقذ آخر ما تبقّى من الحياة؟
في مدينة الفاشر الجريحة، تدور اليوم واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في العصر الحديث. منذ مايو/ 2024، حيث تفرض مليشيا الدعم السريع حصارا خانقاً على المدينة، مانعة عنها الغذاء والدواء والحرية، تاركة مئات الآلاف من سكانها يواجهون مصيرا قاسياً بين براثن الجوع والموت في واحدة من افظع صور الانتهاكات الانسانية ضد المدنيين العُزَّل.
برنامج الأغذية العالمي دق ناقوس الخطر، مؤكدا أن آلاف العائلات في الفاشر على حافة المجاعة والموت. أسعار المواد الغذائية ارتفعت بنسبة تصل إلى 460%، في حين أن المطابخ الجماعية (التكايا) قد انهارت ونفدت المستودعات الغذائية تماما. باتت وجبة واحدة في اليوم حلماً بعيد المنال، وأصبح الكثيرون يقتاتون على أعلاف الحيوانات (الامباز) للبقاء على قيد الحياة.
الأمم المتحدة تعترف أن الوصول إلى المدينة أصبح شبه مستحيل بسبب الحصار الجائر، وأن المساعدات التي وصلت — مثل الدعم النقدي المقدم لـ250 ألف شخص — لا تقترب حتى من سد الفجوة الهائلة في الاحتياجات. أما منظمة العفو الدولية فتصف المشهد القاتم: المقابر تتسع بوتيرة مفزعة، والضحايا يسقطون كل يوم بين القصف والجوع، حتى صار دفن الموتى رفاهية لا تستطيع العائلات القيام بها كما ينبغي.
ما يحدث في الفاشر اليوم، ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل هو جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، تُنفَّذ بدم بارد، وتحت أنظار العالم الذي يكتفي بالمراقبة الصامتة، وكأن أرواح الأبرياء في الفاشر بلا قيمة، وكأن المدينة لا تستحق الحياة.
حصار خانق، وتجويع متعمَّد، وقصف مستمر، ومنع وصول الغذاء والدواء والماء، كلها ليست سوى أدوات لإبادة مدينة بأكملها، لمسحها من الوجود، وتحويلها إلى أطلال من الخراب. ما يجري في الفاشر ليس مشاهد من فيلم رعب خيالي، بل فصول حقيقية تُكتب الآن في قلب القرن الحادي والعشرين، في زمن يتشدق فيه العالم بالتحضر والمدنية ورعاية حقوق الإنسان.
المجتمع الدولي، بمنظماته الكبرى، وهيئاته ذات الاختصاص، يقف أمام المأساة مكتوف الأيدي، لا يملك إلا تقارير جامدة وبيانات مكدسة لا تسعف جائعاً ولا تداوي مريضاً ولا تنقذ مستغيثاً ولا توقف رصاصة.
إننا اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة: إما أن نتحرك، أو نكون جميعا شركاء في جريمة الصمت. الوقت يمضي والموت القسري لأهلنا في الفاشر اضحي مصيراً محتوماً، فلذا نناشد كل المجتمع السوداني — حكومة وشعباً — أن يتجاوز البيانات الكلامية والتنديدات الخجولة، وأن يتحرك بكل ما يملك من وسائل، بخطوات عملية، لكسر هذا الحصار الجائر وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
فالمطلوب ليس مجرد شجب وإدانة، بل تحرك ميداني شامل: تنظيم المسيرات التضامنية والاحتجاجية الهادرة في كل مدن السودان، تكثيف الضغط الشعبي على كل المستويات، إيصال صوت ومعاناة إنسان الفاشر إلى العالم عبر الإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي، وحشد كل الطاقات الوطنية لكسر جدار التجاهل.
كما نطالب المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، والجامعة العربية، وكل الضمائر الحية في العالم، أن يكسروا حاجز الصمت المخزي، وأن يضعوا حياة البشر فوق الحسابات الضيقة والمصالح المؤجلة. فالتاريخ لا يرحم، وسيكتب أن الفاشر ذُبحت جوعاً وقصفاً، بينما العالم كان مشغولًا بحساباته ومصالحه الخاصة، فيما أرواح الأطفال والأمهات والكهول تتساقط في صمت.




