Uncategorized

نحن السودان… وما زالت القصة لم تنتهِ!
بقلم: الأستاذة عرفة خواجة

لست أكتب هذا المقال من مكتب فخمٍ مكيّف، بل أكتبه من قلب الزحام، من سوقٍ شعبيّ تاه فيه صوت الأمل وسط صرخات الغلاء، ومن شارعٍ كان يومًا يهتف باسم الثورة، وأصبح اليوم صامتًا، لكن صمته ليس خوفًا… بل صبرًا.
السودان اليوم ليس مجرد وطن، بل حكاية. حكاية شعبٍ كان من الممكن أن ينهار ألف مرة، لكنه قرّر في كل مرة أن ينهض من جديد، يغسل وجهه بالتراب، ويواصل طريقه مرفوع الرأس، حتى وإن كانت جلابيّته ممزقة.
في وطنٍ يوشكُ أن يتكسّر على قارعة الغدر، ويترنّح بين أنياب الطامعين، ينبض قلبٌ لا يموت، ويعلو صوت لا ينكسر. ذلك هو صوت الشعب السوداني… الشعب الذي لا يكتب التاريخ بالحبر، بل بالدم، والدمع، والكرامة.
نعم، السودان اليوم جريح، منهك، تغشاهُ رياح الفوضى، وتنهشه أنيابُ مليشيات مأجورة، باعت تراب الوطن مقابل حفنة من الدولارات، لكن الشعب… الشعب لم يبع نفسه. لم ينحنِ. لم يقل “كفى”، رغم أن كل ما حوله يدعوه لليأس. هذا الشعب، يا سادة، ليس كغيره من الشعوب. هذا شعب من طين النيل وعزّة الجبال.
يظن البعض أن المشهد قد أُسدل، وأن الوطن لفظ أنفاسه الأخيرة… لكن هيهات! فالسودان لا يُمحى من الوجود. إنه وطن لو نطق ترابه لهتف: “أنا حر!”، وشعبٌ إذا عطش شرب من دمعه، وإذا جاع تغذّى على كرامته… ولم ينحنِ يوماً لغير الله.
خرجنا من أزمنةٍ قاسية، من عهد الشعارات الجوفاء والخوف الممنهج، من سطوة “الكيزان” وعباءة الاستبداد، ورفعنا شعارات: “حرية، سلام، وعدالة”. لكن، للأسف، ما أعقب ذلك كان أشدّ وأقسى: زمن البنادق في الشوارع، زمن الطمع في الحكم، زمن الميليشيات، زمن الخراب الممنهج.

ورغم كل ذلك… هل استسلمنا؟ كلا. هل بكينا؟ نعم، كثيرًا… لكن، هل توقفنا؟ أبدًا. هذا الشعب يمتلك خصلة فريدة: كلما اشتد عليه الضغط، ازداد نقاءً، وبهاءً، وصلابةً. من رحم الألم يولد الإبداع، ومن قساوة الواقع تُولد أناشيد الثورة، ومن بين الركام ينبثق مشروع صغير، وبسمة ترتسم على وجه رجلٍ يفكر كيف يعيش بكرامة.
هل رأيتم السوداني حينما يسكن في أي بقعة من العالم؟ يعمل وهو يبتسم، يُعلّم وهو لاجئ، يبني وهو مغترب، يغنّي وهو مزارع، ويحلم وهو طالب… لأنه ببساطة: “نحن قوم لا نعرف الاستسلام.”

رغم أن حكومة الأمل جاءت متأخرة، إلا أن بصيص الرجاء ما زال يلوح في الأفق، يُضيء القلوب التي أنهكها الانتظار، ويُحيي في النفوس عطش الوطن للعدل والاستقرار. نعم، لقد تاهت حكوماتنا، وضاعت هيبة الدولة، وتكاثرت الجيوش وتفرّقت الولاءات، وبلغ الألم حدّه وطفح الكيل… لكن يبقى السودان بخير، ما دام فيه شعب لا يُشبه أحدًا. شعب يصطف في طوابير الخبز ساعات، ثم يخرج من الصفّ ليهتف: “الشعب يريد!”، شعبٌ يركب الرقشة والكارو ويُقلّ معه أحلامًا كبيرة في قلبها بساطة، وآمالًا عظيمة في ثوبٍ متواضع.

أما جيشنا، فرغم كل ما مرّ، لا يزال واقفًا على الثغور، يخوض معارك الشرف في وجه مليشيا الجنجويد، بثباتٍ يُشبه صمود الأرض نفسها. جيشٌ أعاد للسودان بعضًا من هيبته، ودافع عن كرامة شعبه حين خانه الجميع. ففي كل طلقة حق، وكل خندق مقاومة، كانت هناك راية تقول للعالم: “هنا السودان… وهنا لا مكان للغزاة.”

إذا رأيت طفلًا سودانيًا يلعب وسط الخراب، فاعلم أن السودان لا يزال حيًّا. وإن سمعت امرأة تقول “الحمد لله” وسط الدمار، فاعلم أن في هذا الشعب روحًا لا تهزمها ميليشيا. وإن رأيت شابًا يُصلح دراجته المحطّمة كي يلحق درسًا قتلته الحرب، فاعلم أن هذا الوطن لا يموت.

وخِتامًا…

السودان ليس على شفا الانهيار، بل يقف على باب التاريخ، يعيد رسم ملامحه، يغيّر جلده، ويتهيّأ لصفحة جديدة…
صفحة عنوانها: “السوداني لا يُكسر… حتى وإن كُسرت البلاد من حوله.”

ولنا عوده..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى