30يوليو 2005: يوم كشف الأقنعة واهتزت فيه قيم العيش المشترك د.أيمن محجوب عبد الله محمد
30 يوليو 2005: يوم كشف الأقنعة واهتزت فيه قيم العيش المشترك د.أيمن محجوب عبد الله محمد

30 يوليو 2005: يوم كشف الأقنعة واهتزت فيه قيم العيش المشترك
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
في الثلاثين من يوليو عام 2005، استيقظ السودان على خبر كارثي: وفاة الدكتور جون قرنق، زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان، إثر تحطم طائرته المروحية التي أقلعت من أوغندا وتحطمت في منطقة نائية بالقرب من الحدود السودانية-الأوغندية. كان قرنق قد عاد لتوه من زيارة رسمية، وأمل السودانيين وقتها معقود على اتفاق السلام الذي وُقّع حديثًا بينه وبين الحكومة السودانية، والذي أنهى حربًا أهلية طويلة أنهكت البلاد شمالًا وجنوبًا.
لكن ما حدث في أعقاب إعلان الحادثة فاق كل التوقعات… لم تسرع القوى الأمنية ولا قيادات الجنوب في احتواء الشارع أو تهدئة التوتر، بل انفجر الغضب في شكل انتقامي مرعب تجاه المواطنين الشماليين الأبرياء في العاصمة وبعض الولايات الأخرى. خرج الغوغاء إلى الشوارع، يمارسون القتل، والنهب، والحرق بلا وازع ولا ضمير. مشاهد التمثيل بالجثث، حرق الممتلكات، والسحل في الطرقات، رسمت صورة دموية صادمة.
كان السؤال المؤلم الذي دوى في قلوب الشماليين: ما علاقتنا نحن بوفاته؟ ولماذا يُصب هذا الحقد كله على الأبرياء؟
الحقيقة المرة التي ظهرت في ذلك اليوم أن هناك شرخًا عميقًا لم يكن اتفاق السلام قد شفى روحه بعد، وأن الكراهية المتجذرة في النفوس بفعل سنوات الحرب والتعبئة الإعلامية والعسكرية ما زالت قادرة على الانفجار بأبشع صورها. تلك الأحداث كانت جرس إنذار مبكر بأن وحدة السودان، التي ظنها البعض قد استُعيدت بالاتفاق، كانت هشة جدًا ومبنية على الرمال.
ما حدث في الثلاثين من يوليو لم يكن مجرد رد فعل عاطفي على فقدان زعيم، بل كان لحظة كشفت عمق الاحتقان والرفض، وأثبتت للأسف أن التعايش السلمي كان بحاجة إلى أكثر من توقيع، وأكثر من نوايا سياسية.
لقد دفع الأبرياء من الشمال ثمنًا باهظًا لذلك اليوم، وترك الجرح غائرًا في النفوس. واليوم، وبعد مرور سنوات على الانفصال، يجب أن تبقى تلك الذكرى حاضرة في وعينا الوطني، لا لنستدعي الكراهية، بل لنفهم أن السلام الحقيقي لا يُبنى على الورق فقط، وإنما في العقول والقلوب.




