عباس إدريس جعفر يكتب.. السودان حين تختطف القضايا العادلة بأيدي أفراد.
عباس إدريس جعفر يكتب.. السودان حين تختطف القضايا العادلة بأيدي أفراد.

عباس إدريس جعفر يكتب..
السودان حين تختطف القضايا العادلة بأيدي أفراد.
ليس الخطر في سيد أحمد الجاكومي كشخص، بل في النموذج الذي يمثله؛ نموذج الفرد الذي يعلو صوته في فراغ الدولة، فيُمنح حجماً أكبر من وزنه، ثم يُقدَّم – بلا تفويض حقيقي – بوصفه متحدثاً عن قضايا شعبٍ كامل.
لقد تحوّلت قضايا السلطة والثروة والتوزيع الغير في السودان ، وهي قضايا عادلة تاريخياً، من ملف تنموي وحقوقي إلى أداة مساومة سياسية. هنا مكمن الإدانة. فالجاكومي لم يتعامل مع القضية باعتبارها همّ مواطنين، بل باعتبارها رصيداً تفاوضياً شخصياً، يُرفع حيناً ويُخفض حيناً وفق إيقاع السلطة لا وفق مصلحة الناس.
خطابه لم يُبنَ على برنامج، ولا على رؤية مؤسسية، بل على التصعيد والإقصاء واحتكار التمثيل. كل من يخالفه الرأي يُتَّهم، وكل مسار لا يمر عبره يُشيطَن. هكذا تُختزل السياسة في شخص، وتُختصر القضايا في منصة إعلامية، ويُختطف السودان من أهله باسم الدفاع عنه.
الأخطر من ذلك أن هذا السلوك ساهم عملياً في تعميق الانقسام داخل السودان ، لا في توحيده. فبدلاً من بناء جبهة أهلية واسعة بآليات ديمقراطية، جرى استدعاء العصبيات، وتغذية الاستقطاب، وتحويل الخلاف السياسي إلى خصومات اجتماعية. هذه ليست قيادة؛ هذا تفجير ناعم للنسيج الاجتماعي.
ثم يأتي السؤال الجوهري: بأي حق يصبح شخص بلا تاريخ نضالي معروف، ولا تفويض شعبي شفاف، لاعباً في مصير وطن؟ الإجابة المؤلمة: لأن الدولة ضعيفة، والأحزاب غائبة، والنخب فشلت في إنتاج قيادات حقيقية. في هذا الخراب، يطفو من يجيد الصراخ لا من يجيد البناء.
إن نقد الجاكومي ليس استهدافاً لشخصه، بل رفضٌ لمنهج يبيع الوهم للناس، ويقايض القضايا بالمواقع، ويستثمر في الفوضى بدل أن يسعى إلى إنهائها. فالقضايا العادلة لا تُدار بالابتزاز، ولا تُنقذها الفردانية، ولا يخدمها تحويل السياسة إلى معركة كسر عظم.
الخلاصة الواضحة:
من يتحدث باسم الناس يجب أن يُحاسَب باسمهم. ومن يزعم تمثيل قضية كبرى، عليه أن يثبت أنه يضيف لها حلاً لا ضجيجاً، وحدةً لا انقساماً، وأملاً لا متاجرة. وما لم يحدث ذلك، فسيظل سيد أحمد الجاكومي مجرد عرضٍ من أعراض الأزمة السودانية، لا جزءاً من علاجها.
بقلم عباس ادريس جعفر




