أخلاقيات العمل التطوعي والإنساني في السودان: من الحرب إلى إعادة الإعمار عندما تنتصر الأخلاق… ينتصر الإنسان “رسالة إلى كل من يحمل مسؤولية العمل التطوعي والإنساني” بقلم :د. مرتضى عبد الحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني
أخلاقيات العمل التطوعي والإنساني في السودان: من الحرب إلى إعادة الإعمار عندما تنتصر الأخلاق... ينتصر الإنسان "رسالة إلى كل من يحمل مسؤولية العمل التطوعي والإنساني" بقلم :د. مرتضى عبد الحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني

أخلاقيات العمل التطوعي والإنساني في السودان: من الحرب إلى إعادة الإعمار
عندما تنتصر الأخلاق… ينتصر الإنسان
“رسالة إلى كل من يحمل مسؤولية العمل التطوعي والإنساني”
بقلم :د. مرتضى عبد الحي محمد أحمد
باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني
«قد تُعيد الأموال بناء الجدران لكن الأخلاق وحدها هي التي تُعيد بناء الإنسان.»
من بين أكثر الدروس رسوخًا التي كشفتها الحروب والأزمات الإنسانية أن المجتمعات لا تنهض بالموارد وحدها ولا تُبنى بالخرسانة والإسمنت فقط وإنما تنهض حين تستعيد ثقتها في الإنسان وفي المؤسسات التي تعمل من أجله وفي القيم التي تحكم علاقتها به.
لقد علّمتنا التجربة السودانية بكل ما حملته من ألم وصمود أن العمل التطوعي والإنساني ليس مجرد استجابة لاحتياجات طارئة ولا مجموعة من المشروعات الممولة ولا تقارير تُرفع إلى الجهات المانحة. إنه رسالة أخلاقية قبل أن يكون نشاطًا مؤسسيًا ومسؤولية إنسانية قبل أن يكون وظيفة والتزام بالكرامة قبل أن يكون التزامًا بالمؤشرات والأرقام.
وخلال هذه السلسلة حاولنا أن نناقش سؤالًا بسيطًا في صياغته عظيمًا في أثره: ماذا يبقى من العمل الإنساني إذا غابت الأخلاق؟
قد تبقى المباني وقد تستمر البرامج وقد تُصرف الميزانيات لكن الرسالة نفسها تذبل عندما يفقد الإنسان ثقته في المنظمة التي جاءت لتخفف معاناته.
إن الأزمة الحقيقية ليست نقص التمويل وحده ولا ضعف الإمكانات بل تكمن أحيانًا في تراجع البوصلة الأخلاقية. فعندما تتحول المنافسة بين المنظمات إلى سباق على المشروعات بدلًا من سباق في خدمة الإنسان وعندما تصبح التقارير أهم من المستفيد والمؤشرات أهم من الأثر والصورة الإعلامية أهم من الكرامة الإنسانية فإن العمل التطوعي والإنساني يفقد شيئًا من روحه حتى وإن احتفظ بكل أدواته.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة في السودان يجب أن تكون مرحلة مراجعة شاملة؛ مراجعة للسياسات ولأساليب الإدارة ولطبيعة الشراكات ولعلاقة المنظمات بالمجتمعات وللأولويات التي تحكم العمل التطوعي والإنساني. وليس المقصود بهذه المراجعة البحث عن أخطاء الماضي بقدر ما هو السعي إلى بناء مستقبل أكثر عدلًا وكفاءة ونزاهة.
إن إعادة الإعمار ليست مشروعًا هندسيًا فحسب بل مشروع أخلاقي بامتياز. فإعمار المدارس والمستشفيات والطرق ضرورة لكن إعمار الثقة بين الناس وترسيخ قيم العدالة واحترام الكرامة الإنسانية وبناء منظمات شفافة وخاضعة للمساءلة هو الضمان الحقيقي لعدم تكرار مآسي الماضي.
ولعل أعظم استثمار يمكن أن تقوم به المنظمات التطوعية والإنسانية اليوم ليس في شراء المعدات أو توسيع المكاتب وإنما في بناء ثقافة مؤسسية تجعل النزاهة أسلوب عمل والشفافية قيمة يومية والمساءلة ممارسة راسخة واحترام الإنسان معيارًا لكل قرار.
كما أن مستقبل العمل التطوعي والإنساني في السودان لن تصنعه جهة واحدة بل سيبنيه تعاون صادق بين المنظمات الوطنية والمنظمات الدولية والجهات المانحة والسلطات الرسمية والجامعات والإعلام والمجتمعات المحلية. غير أن نجاح هذا التعاون مرهون بأن يقوم على الشراكة الحقيقية لا على التبعية وعلى تبادل الخبرات لا احتكار القرار وعلى الثقة المتبادلة لا اختلال موازين القوة.
وفي قلب هذا المشهد تقف المنظمات الوطنية أمام مسؤولية تاريخية. فقد أثبتت قدرتها على الصمود والوصول إلى المجتمعات في أصعب الظروف لكن المرحلة المقبلة تتطلب منها أيضًا ترسيخ الحوكمة وتعزيز الكفاءة والاستثمار في بناء القدرات حتى تكون جديرة بالدور القيادي الذي تتطلع إليه وتنتظره منها مجتمعاتها.
أما الجهات المانحة والمنظمات الوطنية والقاعدية والأجنبية و الدولية فإن مسؤوليتها لا تقتصر على توفير التمويل بل تمتد إلى بناء شراكات عادلة وتمكين المنظمات الوطنية والقاعدية ونقل المعرفة والاستثمار في إستدامة القدرات المحلية لأن التنمية الحقيقية لا تُستورد بل تُبنى من داخل المجتمعات نفسها.
ولعل أهم ما نحتاج إليه اليوم هو الانتقال من ثقافة إدارة الأزمات إلى ثقافة بناء المنظمات ومن التفكير في المشروع القادم إلى التفكير في الأثر الذي سيبقى بعد انتهاء المشروع ومن قياس النجاح بما أُنفق من أموال إلى قياسه بما استُعيد من كرامة وما بُني من ثقة وما تحقق من تغيير حقيقي في حياة الناس.
إن الأخلاق ليست ترفًا فكريًا وليست فصلًا يُضاف إلى أدلة السياسات بل هي البنية التي يحمل عليها العمل التطوعي والإنساني كله. وإذا ضعفت هذه البنية فلن تستطيع كثرة الموارد أن تعوضها ولن تنجح أفضل الخطط في سد فراغها.
ومن هنا فإنني أدعو إلى إطلاق حوار وطني واسع يفضي إلى إعداد ميثاق سوداني لأخلاقيات العمل التطوعي والإنساني تشارك في صياغته المنظمات الوطنية والشركاء الدوليون والإقليميون والجامعات والخبراء والجهات الرسمية وغير الرسمية ذات الصلة بالعمل التطوعي والإنساني ليكون مرجعًا أخلاقيًا ومهنيًا يعزز الثقة ويوحد المعايير ويحمي المستفيدين ويرتقي بمكانة العمل التطوعي والإنساني في السودان.
لقد كانت هذه السلسلة محاولة متواضعة للإسهام في هذا الحوار وإيمانًا بأن إصلاح المؤسسات يبدأ بإصلاح الأفكار وأن بناء المستقبل يبدأ بالاعتراف بأن الأخلاق ليست نتيجةً للعمل التطوعي والإنساني بل هي شرط وجوده.
وفي الختام تبقى رسالة واحدة تستحق أن تُكتب في صدر كل منظمة وعلى أول صفحة في كل مشروع وفي ضمير كل عامل ومتطوع:
إذا فقد العمل التطوعي والإنساني أخلاقه فقد رسالته. وإذا حافظ على أخلاقه بقي أثره حتى بعد أن تنتهي المشروعات وتُغلق الملفات وتُطوى صفحات التقارير.
فالأموال قد تُنفق والمشروعات قد تنتهي لكن ما يبقى في ذاكرة الناس هو كيف عاملناهم وكيف احترمنا كرامتهم وكيف جعلنا من إنسانيتهم البداية والنهاية لكل ما قدمناه.
وذلك هو المعيار الحقيقي لنجاح أي عمل تطوعي أو إنساني… في السودان وفي كل مكان.




