كربلاء.. حين تكلّم الدم وانتصر الضمير د.أيمن محجوب عبد الله محمد
كربلاء.. حين تكلّم الدم وانتصر الضمير د.أيمن محجوب عبد الله محمد

كربلاء.. حين تكلّم الدم وانتصر الضمير
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
في عاشوراء من العام 61 للهجرة، على صعيدٍ ملتهبٍ في أرض كربلاء، سُفِك دمٌ ليس كغيره من الدماء.. دمٌ طاهر، نزف من وريث النبوة، من ابن بنت رسول الله، من سيّد شباب أهل الجنة: الحسين بن عليّ بن أبي طالب. لم تكن معركةً عسكريةً متكافئة، بل كانت مجزرة تاريخية، فصلًا داميًا في كتاب الأمة، ارتجّ له وجدان الأحرار، وانحنت له الجبال حُزنًا، وأدمعت له السماء.
بداية الحكاية: صوت الحق في زمن السيوف
خرج الحسين عليه السلام لا طامعًا في مُلك، ولا ساعيًا في فتنة، بل خرج ليُعلن أن الصمت خيانة، وأن بيع الضمير كفر بالحق. رفض أن يبايع يزيد بن معاوية، ذلك الذي ورث الحكم بالسيف لا بالشورى، بالتهتك لا بالتقوى، بالظلم لا بالعدل.
قال الحسين مقولته الخالدة: “مثلي لا يبايع مثله”. بهذا الموقف، صفع وجوه الطغاة عبر العصور، وأيقظ الضمير الإنساني من سباته.
كربلاء: فصول المأساة
وصل الحسين إلى كربلاء ومعه قلة من أهل بيته وأصحابه.. سبعون رجلًا لا أكثر، في مواجهة جيشٍ جرّار يزيد على ثلاثين ألفًا. حوصِروا ومنعوا عن الماء في صحراء لافحة، يُذبح فيها العطش قبل السيوف.
وفي العاشر من محرم، كانت المجزرة. قُتل القاسم ابن الحسن، الطفل الصغير عبد الله الرضيع، العباس حامل اللواء، زين العابدين جُرِح، النساء سُبيت، والرؤوس رُفِعت على الرماح. كل هذا حدث أمام أعين العالم الإسلامي، بينما كانت الأمة تصمت.. وتخون!
الحسين قُتل مظلومًا.. ذُبِح وهو ينادي: “أما من ناصرٍ ينصرنا؟” فلم يجبه إلا السيف. لكنه قُتل شامخًا، واقفًا، ثابتًا. مات جسدًا، لكنه وُلِد ثورة لا تموت.
لماذا قُتل الحسين؟
الحسين قُتل لأنه قال “لا” في زمنٍ كان كل شيء يُباع، حتى الكرامة. قُتل لأنّه وقف في وجه طغيان الدولة الأموية التي حرّفت الدين وجعلت من الخلافة وراثة وملكية.
قُتل لأنه كان ضمير الأمة اليقظ، والصوت الأخير للحق، والشاهد على خيانة الكوفة، وجبن الأمة، وتخاذل الناس.
كربلاء ليست مجرد حادثة تاريخية.. إنها سؤال مفتوح:
هل كنا مع الحسين أم مع يزيد؟ مع الدم أم مع السيف؟ مع الثورة أم مع الطغيان؟
كربلاء اليوم:
كل عاشوراء، تُفتح الجراح من جديد، ليس بكاءً فقط، بل سؤالًا وجوديًّا: هل ما زالت الأمة تقتل حسينًا جديدًا كل يوم؟ هل ما زال الساكت عن الظلم شيطانًا أخرس؟ هل لا زلنا نرى الظالم ونصفق له، ونخذل صاحب الحق إذا تكلّم؟
الحسين: رمز خالد
الحسين ليس لطائفة، وليس لجماعة. الحسين لكل حرّ، لكل متمرد على الظلم، لكل من آمن أن “الدم ينتصر على السيف”، وأن “المبدأ أقوى من الرمح”.
كربلاء معركة يتجدد صداها في كل زمان، فحينما تصرخ الحناجر “هيهات منا الذلة”.. فاعلم أن الحسين ما زال حيًا في الضمائر.
الختام: الحسين باقٍ
قُتل الحسين.. نعم. لكن دمه كتب بمداد الطهر ملحمةً لا يمحوها الزمن. لم ينتصر يزيد، بل لُعن في التاريخ، ومات مشوَّه الذكر. أما الحسين، فقد انتصر وهو شهيد. انتصر حين فضح الاستبداد، حين جعل من كربلاء مدرسة للتضحية، وحين رفع لواء “الحق لا يُقاس بعدد الأتباع”.
كربلاء لم تكن نهاية الحسين، بل كانت بداية الحسين في كلّ حرٍ يرفض الذل، وفي كل أمة تُعيد قراءة التاريخ على ضوء كربلاء، لا على صوت الطغاة.
سلامٌ على الحسين، وعلى عليّ بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.. الذين بذلوا مهجهم دون الحسين.



