عرفة خواجة تكتب.. نقطة :بدايه..العودة إلى الخرطوم: وعدٌ تَغْلِبُهُ التحديات!
عرفة خواجة تكتب.. نقطة :بدايه..العودة إلى الخرطوم: وعدٌ تَغْلِبُهُ التحديات

عرفة خواجة تكتب.. نقطة :بدايه..العودة إلى الخرطوم: وعدٌ تَغْلِبُهُ التحديات
في لحظةٍ يَخْفُقُ فيها الأمل لدى العديد من النازحين والمُهجّرين، تبرز فكرة العودة الطوعية إلى ولاية الخرطوم كبُرجٍ منير في بحر المآسي التي خلّفتها الحرب. لكنّ هذا الأمل، الذي يُنتظَر بفارغ الصبر، يصطدم بواقعٍ قاسٍ يُثقل كاهل الحكومة الحالية برئاسة أحمد عثمان حمزة، ويُثير تساؤلاتٍ جادّة حول جاهزية العاصمة لاستقبال أبنائها.
أبرز ما يُكْبِلُ جهود العودة هو العجز الواضح في توفير الخدمات الأساسية، تلك التي تُشكّل عِماد الحياة اليومية:
الماء والكهرباء: شريان الحياة المقطوع لا تزال أزمة مياه الشرب الصالحة قائمةً في أجزاء واسعة، مما يُعرّض الصحة العامة للخطر ويفرض معاناة يومية. كما أن انقطاعات الكهرباء الطويلة والمتكررة تُعطّل الحياة، وتُصعّب حفظ الطعام والدواء، وتُعيق أيّ محاولة لإعادة إطلاق عجلة الاقتصاد أو التعليم. بُنى تحتية مُدمّرة: تحتاج شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي إلى إعادة تأهيل ضخمة بعد الدمار الذي لحق بها، وهو أمر يتطلّب موارد هائلة ووقتًا طويلاً يفوق صبر من ينتظرون العودة. والأمن الهاجس الأكبرإذا كانت الخدمات تشكّل تحدياً، فإن انعدام الأمان يُمثّل العائق الأكبر والأكثر إثارةً للرعب تشوّهات أمنية وتفلّت ما زالت “التشوهات الأمنية” كما وردت، حاضرةً بقوة في بعض الأحياء. يتجلى ذلك في تفلّت مسلّحين ومجموعات خارجة عن القانون.موجة الجريمة: من التعدّي إلى النهب تتراوح الانتهاكات من التعدّي على الممتلكات الخاصة (“تغرس بعد المنازل” – إشارة ربما لاحتلالها أو انتهاك حرمتها) إلى جرائم السرقة والنهب المُنظّم في وضح النهار، مما يُفقد المواطن الشعور بالأمان في بيته وفي الشارع. يبدو واضحاً عجز الأجهزة الأمنية عن فرض هيبة الدولة وحماية المواطنين بشكل فعّال ومستدام في جميع المناطق، مما يُغذّي حالة من الفوضى والخوف.
لا يمكن فصل تحديات الحاضر عن جروح الماضي العميقة
المعاناة المتراكمة لقد عانى المواطنون الأمرّين خلال سنوات الحرب: تشريد، فقدان للمنازل (“المنازل” التي نُهبت)، انهيار اقتصادي، وفوق كل ذلك، انتهاكات مروّعة شملت “انتهاك الأعراض” – وهي جريمة تترك ندوباً نفسيةً لا تندمل.حالات إنسانية حرجة خلّفت هذه الانتهاكات حالات إنسانية صعبة للغاية: أسرٌ فقدت عائلها، نساءٌ وأطفالٌ دون حماية، ناجون من العنف الجنسي بحاجة لدعم نفسي وطبي واجتماعي هائل، ومشردون بلا مأوى أو مصدر رزق.
في ظلّ هذا المشهد الكئيب من غياب الخدمات الأساسية وتردّي الأمن، وعدم معالجة الإرث الثقيل للحرب ومعاناة ضحاياها بشكل جذري، ليس من المستغرب أن يسود “عدم الرضا الكامل” بين المواطنين العائدين أو الذين يفكّرون في العودة. فالعودة إلى الخرطوم، في ظل هذه الظروف، ليست عودةً إلى الاستقرار والكرامة، بل هي استبدال لنوع من المعاناة بنوع آخر.
تقع على عاتق حكومة أحمد عثمان حمزة مسؤولية تاريخية وإنسانية:
الأولوية القصوى الأمن لا عودة حقيقية دون أمن. يجب بسط سلطة الدولة وقواتها الأمنية بشكل فعّال وعادل في كل حيّ وزقاق، والقضاء على مصادر التفلت والجريمة بجدية وحزم. إعادة الخدمات: ضرورة حياة تسريع وتيرة إصلاح البنى التحتية وتوفير الحدّ الأدنى من المياه الصالحة والكهرباء بشكل مستدام هو شرطٌ لا غنى عنه لاستعادة مقومات الحياة.معالجة إرث الحرب: عدالة وإنصاف يجب إعطاء أولوية قصوى لمعالجة الحالات الإنسانية الصعبة، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي والمادي للضحايا، وخاصة الناجيات من العنف الجنسي، وبناء الثقة.
العودة الطوعية إلى الخرطوم هي حلمٌ مشروعٌ لكلّ مُهجّر مشتاق إلى دياره. لكن تحويل هذا الحلم إلى واقعٍ آمنٍ وكريم يتطلّب أكثر من مجرّد رغبة. إنه يتطلّب إرادة سياسية حقيقية من الحكومة لمواجهة التحديات الهائلة في الخدمات والأمن، ومعالجة الجروح العميقة التي خلّفتها الحرب بإنصاف وشفافية. دون ذلك، ستظلّ العودة إلى الخرطوم، للأسف، عودةً إلى دائرة المعاناة وعدم الرضا، وستبقى لحظة الأمل المُنتظرة معلّقة بين خيبة أملٍ وواقعٍ مُرّ.
ولنا عوده…




