اعمدة ورأي

30 عاماً في الميزان – الحلقة 3 دولة المؤسسات: التمكين وإعادة الهيكلة بقلم: عامر يوسف العالم

30 عاماً في الميزان - الحلقة 3 دولة المؤسسات: التمكين وإعادة الهيكلة بقلم: عامر يوسف العالم

—

30 عاماً في الميزان – الحلقة 3
دولة المؤسسات: التمكين وإعادة الهيكلة
بقلم: عامر يوسف العالم
ماجستير علاقات دولية – مستشار ومدرب معتمد – خبير ديواني بالخدمة المدنية

إذا كان النفط هو دم الاقتصاد، فإن “المؤسسات” هي عظم الدولة. وفي تجربة الإنقاذ كان ملف إعادة هيكلة الدولة هو الأكثر جدلاً والأكثر أثراً حتى اليوم.

1. الفلسفة: “التمكين” كمشروع دولة
جاء شعار “التمكين” من قناعة أن الدولة القديمة كانت “دولة حزبية” أيضاً، وأن التغيير لا يتم إلا بأدوات جديدة.
الهدف المعلن: بناء “دولة المشروع الحضاري” بكوادر تؤمن بالفكرة.
الآلية: الصالح العام، المعاش المبكر، وإعادة التعيين على أساس الكفاءة + الولاء.

2. ثلاثة قطاعات تغيرت جذرياً

أ. الخدمة المدنية
كخبير ديواني كنت شاهداً على أكبر عملية إحلال وإبدال.
الإيجابي: ضخ دماء جديدة، شباب، وتوسع في الكليات. تم إنشاء جامعات وولائية ومعاهد تدريب.
السلبي: ضاعت الخبرة التراكمية. وأصبح معيار “الولاء” أحياناً مقدم على “الكفاءة”. النتيجة: بيروقراطية جديدة، لكنها أقل احترافية في بعض الملفات الفنية مثل الأراضي والمالية.

ب. القوات النظامية
تم توسيع الجيش، الشرطة، وجهاز الأمن. وأُنشئت قوات جديدة مثل الدفاع الشعبي.
الهدف: حماية النظام والثغور.
النتيجة: جيش عقائدي، لكن دخل في صراعات داخلية أنهكته، وانتهت بتكوين “الدعم السريع” كقوة موازية.

ج. التعليم العالي
من 6 جامعات حكومية إلى أكثر من 36 جامعة. سياسة “التعليم العالي للجميع”.
الإنجازج: استيعاب أعداد كبيرة ومنع هجرة الطلاب.
التحدي: التوسع الكمي على حساب النوعي. تخرجت أجيال بشهادات، لكن سوق العمل لم يستوعبها.

3. الإيجابيات التي لا يمكن إنكارها
1. تفكيك مركزية الخرطوم: بُنيت وزارات ومؤسسات في الولايات.
2. ظهور طبقة وسطى جديدة: من أبناء الهامش دخلوا الخدمة والقضاء والجامعات.
3. عمل طوعي منظم: المنظمات والجمعيات الدعوية ملأت فراغ الدولة في الصحة والتعليم.

4. التحديات والإخفاقات
1. تسييس المؤسسات: عندما تصبح المؤسسة ملك لحزب، يضعف القانون ويقوى الشخص.
2. الفساد الإداري: غياب الشفافية في التعيينات والعطاءات فتح الباب للتجاوزات التي تحدث عنها المراجع العام سنوياً.
3. غياب الاستمرارية: أي مدير كان يأتي بسياسة جديدة ويمسح ما قبله. فلم تتراكم الخبرة.

الخلاصة: درس في إدارة الدولة
تجربة “التمكين” أثبتت قاعدة مهمة: لا يمكن بناء دولة قوية بمؤسسات ضعيفة، ولا يمكن بناء مؤسسات قوية بمعيار واحد هو الولاء.

الدولة القوية هي التي تفصل بين “الدولة” و “الحزب”. وتجعل معيار التعيين: الكفاءة + النزاهة + الانحياز للمواطن.

ما حدث في الـ 30 عاماً هو درس مجاني لكل الحكومات القادمة: أصلح المؤسسة قبل أن تطالبها بالإصلاح.

في الحلقة القادمة: “الحروب والنزاعات: من الجنوب إلى دارفور”
كيف أدارت الإنقاذ ملف الأمن والحرب والسلام؟

يتبع غداً..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى