اعمدة ورأي

عرفة… حين تقف الأرواح على أعتاب السماء د.أيمن محمجوب عبد الله محمد

عرفة... حين تقف الأرواح على أعتاب السماء د.أيمن محمجوب عبد الله محمد

عرفة… حين تقف الأرواح على أعتاب السماء
د.أيمن محمجوب عبد الله محمد

في بقعة مباركة من أطهر أرضٍ على وجه هذه الكرة، يجتمع خلقٌ كثير من كل فجٍّ عميق، لا فرق بينهم في لونٍ أو لسانٍ أو مالٍ أو مكانة. الكل يرتدي ثوب الإحرام الأبيض، وكأنهم سطرٌ واحد في صفحة الخلود، وكأن الدنيا كلها أُغلقت ليفتح الله لهم باب السماء. هنا عرفة… هنا يتغير كل شيء.
ما هو يوم عرفة؟
يوم عرفة هو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، أحد أعظم الأيام في الإسلام، بل هو قلب الحج وروحه. لا يُعد الحج حجًا إلا به؛ فمن فاته عرفة، فقد فاته الحج. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الحج عرفة]” رواه الترمذي [. هو يوم تتجلى فيه الرحمة، وتُسكب فيه العبرات، وتعلو فيه الأصوات بالدعاء. يقف الناس في صعيد واحد، متجردين من كل شيء سوى إنسانيتهم وذنوبهم وآمالهم. يومٌ إذا لم يُكتب لك فيه الغفران، فمتى؟!
لماذا سُمي “عرفة” بهذا الاسم؟
اختلفت الروايات حول سبب التسمية، وكلها تدور حول معانٍ سامية: قيل إن الناس يتعارفون فيه، فتتلاقى الوجوه والقلوب من مختلف الأقطار. وقيل لأن جبريل عليه السلام، عندما علّم إبراهيم عليه السلام مناسك الحج، كان يقول له: “أعرفت؟” فيرد: “عرفت”. وقيل لأن آدم وحواء تعارفا فيه بعد أن تفرقا من السماء، فكان عرفة مكان اللقاء بعد الفقد الطويل. مهما كان السبب، فإن عرفة هو يوم المعرفة: معرفة الإنسان بذنبه، معرفة الإنسان بحاجته إلى الله، ومعرفة العبد لربه، ووقوفه عاجزًا بين يديه.
عرفة… لماذا هو أعظم يوم في الدنيا؟
لأنه يوم العتق الأكبر:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة”] رواه مسلم. [ أيُّ فرصة هذه؟ أي كرم هذا؟! أبواب الجنة تُفتح، وأبواب النار تُغلق، والشياطين تُحبس، والرحمة تنزل كالمطر.
لأن الدعاء فيه لا يُرد:
قال عليه الصلاة والسلام: “خير الدعاء دعاء يوم عرفة] “رواه الترمذي. [ تخيل أن الدعاء يُرفع مباشرة، بلا حجاب، إلى السماء السابعة. فرصة ذهبية لمن يرجو، ويأمل، ويُكثر الرجاء.
لأنه يوم المغفرة الجماعية:
يقف الناس على جبل الرحمة، كلٌ منهم يُراجع شريط عمره، يستعرض ذنوبه، آلامه، أمنياته، ثم يُلقي بها كلها على صعيد عرفات، راجيًا أن تُغسل كما تُغسل الصحائف البيضاء من الغبار.
الوقوف بعرفة… وقوف بين يدي الله
الوقوف في عرفة ليس مجرد نسك، بل هو لحظة فارقة في عمر الإنسان. لحظة صدق نادرة، يضع فيها الحاج كل ما يحمله من أعباء، ويقف مكسورًا بذنوبه، راجيًا جبرًا من الجبار. يُشبه يوم الوقوف بعرفة يوم الوقوف بين يدي الله في الآخرة. يقول الإمام ابن القيم: “والله ما طاب عيشٌ إلا في ظل عرفة، وما نزلت رحمةٌ أعظم مما تنزل على أهلها في ذلك اليوم.”
حتى من لم يحج… له نصيب من عرفة
عرفة ليس حكرًا على الحجاج فقط. من كان في بيته، في بلده، بإمكانه أن يصوم هذا اليوم، ليغفر الله له سنة ماضية وسنة قادمة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده] ” رواه مسلم. [ أي كرم أعظم من هذا؟!
خاتمة: حين تصمت الأرض وتتكلم السماء
في عرفة… تصمت الأصوات لتتكلم الأرواح. في عرفة… ينسى الناس الدنيا، ويتشبثون بالآخرة. في عرفة… يبكي الشاب، والشيخ، والمرأة، كلٌ له قصة، وكلٌ يرجو نهاية سعيدة. في عرفة… تتجلى إنسانيتنا، وتذوب فوارقنا، ونتوحد جميعًا تحت مظلة الرجاء. من ذاق عرفة… تغيّر قلبه. ومن دعا في عرفة… عرَف ربَّه حق المعرفة. ومن وقف في عرفة… وقف على باب الجنة. فهل ستفوت هذا اليوم؟ وهل ستضيع فرصة العمر؟
عد إلى ربك، ولو بقلبك… ولو من بيتك، ـ”عرفة” ليس مكانًا فقط، بل حالة روح، وموعد محبة، ونداء سماوي لكل من أنهكته الدنيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى