اعمدة ورأي

تجميد الاتحادات شلل إضافي لذوي الإعاقة في السودان ​بقلم: أنس الزبير

تجميد الاتحادات شلل إضافي لذوي الإعاقة في السودان ​بقلم: أنس الزبير

تجميد الاتحادات شلل إضافي لذوي الإعاقة في السودان
​بقلم: أنس الزبير*
​ في التاريخ الإداري للدولة، ثمة قرارات تُتخذ تحت ضغط ظروف استثنائية، لكن استمرارها بعد زوال مسبباتها يتحول من “تدبير إداري” إلى “عائق تنموي” يضر بالدولة والمجتمع على حد سواء.
ونحن اليوم أمام نموذج لهذا الواقع المتمثل في القرار الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء في يناير 2025، والذي قضى بتجميد أنشطة اتحادات ومنظمات الأشخاص ذوي الإعاقة وسحب تراخيصها، متذرعاً بضعف التنسيق مع المجلس القومي. لقد كُتب ذلك الخطاب في فترة كانت فيها الدولة ترتب أولوياتها وسط تداعيات الحرب، حيث غابت الرؤية الشاملة لقطاع الإعاقة لصالح مؤسسات أخرى، ولكن استمرار العمل بهذا التوجيه بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات
ونصف، لم يعد منطقياً ولا عادلاً، خاصة وأن التحديات التي بُني عليها القرار قد تلاشت مع وجود إدارة نشطة للمجلس اليوم تسعى للتشاركية مع التنظيمات، وإن كانت لا تزال تواجه تحديات البدايات.
​ إن الإبقاء على حالة “التجميد” يعد سوء تقدير جوهري لجهود كيانات عريقة تجاوز عمرها الخمسين عاماً في العمل الخيري والتطوعي، فهذه الاتحادات ليست مجرد أجسام إدارية، بل هي “دور” تمنح الأشخاص ذوي الإعاقة إحساساً عميقاً بالانتماء، وتمتلك خبرات متراكمة وشراكات دولية كانت وما زالت فخراً للسودان.
إن سحب الرخص يضعف قوة هذه الاتحادات ويشل أداءها الميداني، بل ويزرع اليأس والقنوط في نفوس قاعدة عريضة من الأشخاص ذوي الإعاقة الذين تضاعفت أعدادهم بفعل الحرب، وباتوا اليوم أحوج ما يكونون لمؤسسات التأهيل التي كانت توفر لهم الحماية والخدمة.
لقد أثبتت هذه الشريحة الوطنية أنها جزء أصيل من النسيج المقاوم، حيث شارك الأشخاص ذوو الإعاقة في “حرب الكرامة” بدمائهم واستنفارهم، رغم كونهم من أكثر الفئات تضرراً من فقدان للمعدات الحركية والنزوح القسري، فبدلاً من تكريمهم بفتح المجال لمبادراتهم، نجد أن التجميد يكبّل أيديهم ويمنعهم من تقديم الخدمات التي تحتاجها الدولة اليوم أكثر من أي وقت مضى.
​ إننا نخاطب وزير شؤون مجلس الوزراء والجهات السيادية بضرورة المراجعة الفورية لهذا التوجيه وإلغاء تجميد المؤسسات، انطلاقاً من منطق وطني بحت؛ فنحن كمجتمع مدني طوعي، نؤمن بأن الدولة هي الحاضنة الأولى لقضايانا، ولا نرغب في تدويل هذه الملفات أو اللجوء للمنظمات الدولية، طالما أننا نمتلك الإرادة والقدرة على العمل الوطني المشترك. إن المواثيق الدولية التي وقع عليها السودان تفرض علينا احترام حقوق التعليم، الصحة، والتوظيف، والمشاركة المجتمعية لهذه الشريحة، والعمل الطوعي لا يستقيم في ظل “تجميد” يمتد لسنوات، مما يعطل مفعول المفوضيات ويضعف الأداء العام. إن المبادرة بتعديل خطاب التوجيه السابق ليست مجرد إجراء إداري، بل هي اختبار لمدى جدية الدولة في رعاية أبنائها من الأشخاص ذوي الإعاقة، الذين لا يطلبون الصدقة، بل يطالبون بالمساحة القانونية للعمل، والتأهيل لخدمة هذا الوطن الذي يحتاج اليوم لكل جهدٍ صادق ومخلص.
*صحفي سوداني من الأشخاص ذوي الإعاقة(إعاقة حركية)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى