اعمدة ورأي

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. “من زمان”: رقّة الذكريات وعذوبة الانتظار

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. "من زمان": رقّة الذكريات وعذوبة الانتظار

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. “من زمان”: رقّة الذكريات وعذوبة الانتظار

في عالمٍ تذوب فيه المشاعر بين أنغام الماضي وحنين الحاضر، تُطلّ علينا أغنية “من زمان” كقطعةٍ من قلبٍ عاشق، نابضة بالشوق، مُفعمة بالحنين. بصوت عبد العزيز محمد داؤود (أبو داؤود)، تتحوّل الكلمات إلى دموع تُروي أسرار الروح، وإلى أنفاس تهمس بألم الانتظار وأمل اللقاء.
منذ اللحظة الأولى، يفتح اللحن العملاق الراحل برعي محمد دفع الله باب الذكريات، وكأنه يدعونا إلى دخول عالمٍ من السحر القديم، حيث العشقُ بريءٌ كندى الصباح، والحبُّ صافٍ كمرآة الزمان. وكلمات عبد المنعم عبد الحي تُجسّد لوحةً من المشاعر الدفينة، تُرسم بدم القلب، وتُكتب بروح الشاعر الذي عاش كل كلمة، وشعر بكل حرف.
“من زمن مستني عوده قلبي راحل”…
كأن الزمن يتوقف هنا، عند هذه العتبة الحالمة، حيث القلب يُعلّق أنفاسه على عودةٍ لا يعرف موعدها، لكنه ينتظرها بكلّ ما فيه من إيمان. والرسائل التي كُتبت بدم العشق، ليست مجرد كلمات، بل هي شظايا روحٍ تبحث عن ملاذها في حضن الحبيب.
“كنت بكتب ليه بدمي الرسائل”…
أيُّ حبٍ هذا الذي يجعل الحروف تنزف؟ وأيُّ شوقٍ يجعل الكلمات تُولد من أعماق الجروح؟ إنها رسائل لم تُكتب بالحبر، بل بكلّ ما في القلب من وجعٍ ولهفة. كلّ كلمةٍ فيها حنانٌ يغمر السطور، وكلّ حرفٍ يسكب الاعترافات من أعماق الشعور.
ثم يأتي العتاب، ذلك العتاب الرقيق الذي يُذكّرنا بأن الحبّ قد يجرح أحياناً كالنسيم، لكن جرحه حلوٌ كالضحكة الأولى. “ما خطر في بالي يأسرني بعتابه”… فالحبيب هنا لا يعاتب بقسوة، بل بتلك النظرات التي تذوب فيها الجنة، وتختفي فيها كلّ الآهات.
“حبيبي كل ما أدلل بزيد إعجابي بيه”…
في هذه العبارة تكمن روعة العشق، حين يصبح التودد سحراً متبادلاً، وحين يزيد الإعجاب كلما ازداد الحبيب تعلقاً. إنه الحب الذي يجعل العاشق يرى الجنة في عيني حبيبه، ويجد في قلبه رحمةً تُخفف من عذاب الانتظار.
“وكل أيام عمره ولحظاته الهنية”…
هنا يتحوّل الزمن إلى ذكرياتٍ عطرة، كأنها عقدٌ من اللؤلؤ المضيء، كلّ لفظة فيه تلمع بفرحٍ قديم، وكلّ ذكرى تعود كالنسيم يحمل عبق الماضي.
وأخيراً، يعود اللحن ليُذكّرنا بأن الانتظار قد يكون أحياناً أجمل من اللقاء نفسه، لأن فيه نبقى على حافة الحلم، نعيش في خطاب الحبيب، ونحيا في ظلّ ذكرياته. “من زمان… أنا من زمان”… كأن الزمن يتكرّر، وكأن القلب لا يزال هناك، في تلك اللحظة التي لم تنتهِ بعد.
هكذا تكون “من زمان”، ليست مجرد أغنية، بل قصيدة حبٍّ خالدة، تُذكّرنا بأن بعض المشاعر لا تموت، وبعض القلوب لا تنسى، وأن الانتظار رغم مرارته قد يكون أجمل ما في الحب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى