
تنوير
النعمان حبيب الله جباية فوق الركام
————–
لم يكد هذا المواطن يلتقط أنفاسه بعد أن هدأت أصوات الرصاص، حتى فوجئ بأن هناك صوتاً آخر يعلو فوق وجعه… صوت الجبايات.
بالأمس، وبمحض صدفة، كنت أعبر شارع المطابع. شارعٌ كان يوماً نابضاً بالحياة، تعجُّ فيه الماكينات وتختلط فيه رائحة الحبر بورق المطبوعات. لكنه اليوم يقف مثل كثير من شوارع الخرطوم شاهداً على ما فعلته الحرب: محال مكسّرة، معدات منهوبة، وأصحاب أعمال يحاولون لملمة ما تبقى من أحلامهم.
وفي وسط هذا المشهد، رأيت مجموعة من الشباب يحملون أوراقاً في أيديهم، يدخلون مكتباً بعد آخر، مطبعة بعد أخرى. سألت أحدهم:
ما الأمر؟
قال بامتعاض واضح:
“جماعة المحلية… جاؤوا للترخيص.”
ترخيص؟!
كلمة تبدو عادية في الظروف الطبيعية. لكن في بلد خرج لتوّه من حرب أكلت الأخضر واليابس، تصبح الكلمة ثقيلة على القلب، خاصة حين تكون مقدمة لسلسلة من الجبايات والرسوم.
يقول الشاب:
“الناس لسه قالت يا رحيم… بعد الشفشفة والسرقة والتكسير. كثير من المطابع فقدت معداتها أو جزءاً كبيراً منها. ومع ذلك جاءت المحلية تطارد الناس بالرسوم والجبايات… وكأن شيئاً لم يحدث.”
هكذا ببساطة.
الدولة التي يفترض أن تأتي اليوم لتسأل:
ماذا فقدتم؟
وكيف نساعدكم على الوقوف من جديد؟
جاءت لتسأل سؤالاً واحداً فقط:
كم ستدفعون؟
ليس غريباً أن تحتاج الدولة إلى إيرادات، فهذا أمر مفهوم. لكن الغريب أن تبحث عنها في جيوب منهكة، وفي مؤسسات بالكاد تحاول الوقوف بعد أن خرجت من تحت الركام.
المطابع، الورش، الدكاكين الصغيرة… هذه ليست خزائن ذهب. هذه مصادر رزق بسيطة لأسر تحاول أن تبدأ من الصفر بعد أن فقدت كل شيء.
في مثل هذه اللحظات، تحتاج الدولة إلى عقل مختلف:
عقل يشجّع الإنتاج لا يثقل كاهله.
عقل يخفف الرسوم لا يضاعفها.
عقل يفهم أن الإعمار يبدأ برفع الأعباء عن الناس، لا بإضافة أعباء جديدة.
فالرسوم الرمزية اليوم قد تعيد مئات المحال إلى العمل.
أما الجبايات الباهظة فلن تفعل سوى شيء واحد:
إغلاق ما تبقى مفتوحاً.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:
البلد لن تقوم بالجباية…
البلد تقوم بالعمل.
وإذا كان هذا المواطن قد صبر على الحرب، وصبر على النزوح، وصبر على فقدان ماله وممتلكاته…
فأقل ما يستحقه الآن ليس مطاردة دفاتر التحصيل، بل يدٌ تمتد لتقول له:
ابدأ من جديد… نحن معك، لا عليك




