Uncategorized

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. اكذوبة الأحزاب السودانية: بين التناقضات وإهدار الديمقراطية

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. اكذوبة الأحزاب السودانية: بين التناقضات وإهدار الديمقراطية

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. اكذوبة الأحزاب السودانية: بين التناقضات وإهدار الديمقراطية

تاريخ السودان السياسي مليء بالتناقضات والصراعات التي كشفت هشاشة الأحزاب السياسية وفشلها في تحقيق الاستقرار والتداول السلمي للسلطة. منذ الاستقلال عام 1956، كانت الأحزاب السودانية تتلاعب بالسلطة، تارة بالتحالفات المشبوهة مع العسكر، وتارة أخرى بالصراعات الداخلية التي أفقدت البلاد فرصتها لبناء نظام ديمقراطي مستقر.
البداية: انقلاب 1958 وإهدار الديمقراطية:
بعد عامين فقط من الاستقلال، شهد السودان أول انقلاب عسكري في تاريخه عام 1958، بقيادة الفريق إبراهيم عبود. ولكن المفارقة أن هذا الانقلاب لم يكن بمعزل عن الأحزاب السياسية، بل كان بتواطؤ واضح من حزب الأمة، الذي شعر بخسارته المحتملة في الانتخابات المقبلة أمام حزب الوطني الاتحادي بقيادة إسماعيل الأزهري.
عبد الرحمن المهدي، زعيم حزب الأمة وراعي الأنصار، كان أحد الأسباب الرئيسية في هذا الانقلاب. بدلًا من احترام إرادة الشعب والتنافس السياسي السلمي، اختار المهدي تسليم السلطة للعسكر لقطع الطريق أمام خصومه السياسيين. وهكذا، كان حزب الأمة أول من أودع الديمقراطية الناشئة في السودان في قبور الانقلابات العسكرية.
تناقضات حزب الأمة: بين التأييد والمعارضة:
حزب الأمة، الذي يُفترض أنه يمثل تيارًا وطنيًا، كان مثالًا صارخًا للتناقضات. فبينما بارك عبد الرحمن المهدي (إمام الأنصار) انقلاب عبود، قاد الصديق المهدي (رئيس الحزب آنذاك)، إمام الأنصار لاحقًا، المعارضة ضد النظام العسكري. هذا التناقض بين تأييد الانقلابات والمعارضة اللاحقة يكشف عن غياب رؤية سياسية واضحة واستراتيجية متسقة لدى الأحزاب السودانية.
ثورة أكتوبر 1964: فرصة ضائعة:
أطاحت ثورة أكتوبر الشعبية عام 1964 بحكم عبود، وعادت الأحزاب السياسية إلى الساحة. ولكن بدلًا من استغلال هذه الفرصة لبناء نظام ديمقراطي مستدام، عادت الأحزاب إلى صراعاتها القديمة. المشاحنات بين حزب الأمة والوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي أدت إلى حالة من الفوضى السياسية، مما مهد الطريق لانقلاب جديد.

انقلاب مايو 1969: دور اليسار والشيوعيين:
في عام 1969، قاد جعفر نميري انقلابًا عسكريًا جديدًا، ولكن هذه المرة بمباركة من الأحزاب اليسارية والشيوعيين. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: الأحزاب التي تدعي الدفاع عن الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة كانت أول من يلجأ إلى العسكر لتحقيق مكاسب سياسية. انقلاب نميري لم يكن سوى حلقة جديدة في سلسلة الانقلابات التي دعمتها الأحزاب السياسية.
انقلاب 1989: الإسلاميون والعسكر
لم تكن تجربة الإسلاميين مختلفة. ففي عام 1989، أطاح عمر البشير بحكومة الصادق المهدي المنتخبة ديمقراطيًا، بدعم من الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي. مرة أخرى، كانت الأحزاب السياسية طرفًا في إهدار الديمقراطية، حيث فضلت التحالف مع العسكر على احترام إرادة الشعب.
هشاشة الأحزاب وإهدار الديمقراطية:
التاريخ السوداني يثبت أن الأحزاب السياسية كانت دائمًا جزءًا من المشكلة وليس الحل. فبدلًا من بناء مؤسسات ديمقراطية قوية، كانت هذه الأحزاب تلجأ إلى العسكر لتحقيق مكاسب سياسية قصيرة المدى. هذا السلوك لم يدمر فقط فرص بناء نظام ديمقراطي مستقر، بل أدى أيضًا إلى تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية في البلاد.
ثورة ديسمبر 2019: تكرار التاريخ
حتى في ثورة ديسمبر 2019، التي أطاحت بحكم عمر البشير، كشفت الأحزاب السياسية عن هشاشتها. فبدلًا من توحيد الصفوف لقيادة المرحلة الانتقالية، عادت إلى صراعاتها القديمة، مما أدى إلى إطالة أمد الأزمة السياسية وفقدان الثقة في قدرتها على قيادة البلاد.
الخلاصة: ضرورة إصلاح النظام السياسي
التاريخ السوداني يعلمنا أن الأحزاب السياسية كانت دائمًا عاجزة عن تحقيق الاستقرار السياسي. فبدلًا من التمسك بمبادئ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، كانت هذه الأحزاب تلجأ إلى العسكر لتحقيق مكاسب سياسية. ولذلك، فإن أي مستقبل ديمقراطي للسودان يجب أن يبدأ بإصلاح جذري للنظام السياسي، بما في ذلك إعادة هيكلة الأحزاب السياسية وبناء مؤسسات ديمقراطية قوية تكون قادرة على تحمل مسؤولياتها.
السودان بحاجة إلى نظام سياسي جديد يعتمد على الشفافية والمساءلة، ويبتعد عن التناقضات والصراعات التي دمرت البلاد لعقود. فقط من خلال إصلاح حقيقي يمكن للسودان أن يخرج من دائرة الانقلابات والصراعات ويبدأ مسيرة ديمقراطية حقيقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى