أمريكا تُفشل مخططات أوروبا للسودان في اجتماع جنيف بقلم الأستاذ/إبراهيم مشرف
أمريكا تُفشل مخططات أوروبا للسودان في اجتماع جنيف بقلم الأستاذ/إبراهيم مشرف

أمريكا تُفشل مخططات أوروبا للسودان في اجتماع جنيف
بقلم الأستاذ/إبراهيم مشرف
اختتمت في جنيف الأربعاء 21/10/2026 أعمال الاجتماع التشاوري السادس لتنسيق مبادرات السلام في السودان، من دون صدور بيان ختامي مشترك أو الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار. وضم الاجتماع ممثلين عن 21 دولة و5 منظمات دولية، وتركزت مناقشاته على ثلاثة مسارات رئيسية: التهدئة والترتيبات الأمنية، والمسار السياسي، والتداعيات الإقليمية للحرب. (سكاي نيوز عربية، 21 تشرين الأول/أكتوبر 2026م).
ورغم عدم التوصل إلى توصيات ختامية إلا أن المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان هافيستو ذكر أن هناك اجتماعات مكثفة بين الآلية الرباعية والخماسية على هامش المؤتمر، مشيراً إلى أن أهمية الاجتماعات تكمن في الربط بين الجهود الرامية إلى التوصل إلى هدنة، ووقف لإطلاق النار، والعمل السياسي المتعلق بمستقبل الحكم والمرحلة الانتقالية في السودان. إن حديث هافيستو وتلك الاجتماعات يدل على أن هناك صراعاً دولياً واختلافاً بين القوى الدولية في نظرتها لقضية الحرب السودانية؛ رغم قول هافيستو في كلمته الافتتاحية، إن أصوات الشعب السوداني يجب أن توجه المداولات، وأن تطلعاتهم يجب أن تظل المعيار الذي نقيس به مدى تقدمنا. ظناً منه أننا نسينا أجداده الأوروبيين المستعمرين، وأنهم على آثارهم سائرون؛ فمؤتمر جنيف دليل على هذا الصراع الدولي.
ومما يؤكد هذا أن أطراف الصراع؛ الجيش السوداني ومليشيات الدعم السريع لم يُدعيا لهذه اللقاءات، حيث جاء على لسان هافيستو أن اجتماعات جنيف تشكل آلية تنسيقية مهمة تجمع الأطراف الدولية والإقليمية المشاركة في جهود حل النزاع في السودان، ولا يضم في مداولاته الحكومة السودانية أو قوات الدعم السريع.
فحرب السودان في حقيقتها صراع دولي بين بريطانيا وأمريكا؛ فبريطانيا التي تذرف دموع التماسيح في حرب السودان هي التي كانت في السابق قد استعمرته وركزت استعمارها في القوى السياسية، ثم جاءت أمريكا وركزت نفوذها فيه عن طريق العسكر، فكان الصراع بينهما عبر أدواتهما.
جاء على لسان مسعد بولس مستشار ترامب للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، “نسعى مع الرباعية للدفع باتجاه هدنة إنسانية تقود لوقف نار دائم”. (قناة الشرق، 24/10/2026) هذه الهدنة التي ظل بولس يرددها كثيراً دون إجراءات عملية، هي مماطلة من أمريكا حتى تظل هي الوحيدة الممسكة بملف الحرب في السودان، وإبعاد أوروبا وعملائها. لذلك ظلت تردد مسألة الهدنة دون الحل السياسي منذ الأيام الأولى للحرب، لأنها هي التي أشعلتها؛ فقد أجرت مساعدة وزير خارجية أمريكا للشؤون الأفريقية مولي في، اتصالا تلفونيا مع حميدتي والمتحدث باسم العملية السياسية خالد عمر يوسف. (وهاتفت مولي كلاً من نائب رئيس مجلس السيادة قائد قوات الدعم السريع “حميدتي” والمتحدث باسم العملية السياسية خالد عمر، وذلك بعد أيام من اتصالها برئيس مجلس السيادة وقائد الجيش البرهان… سودان تربيون، 6/4/2023)، وأيضا نشرت عربي بوست على موقعها في 19/4/2023 نقلاً عن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، في أحدث معلومات عن ساعات الاشتباك الأولى في 15/4/2023 (شهدت ليلة الجمعة 14 نيسان/أبريل، جلسة مفاوضات بين الطرفين “البرهان وحميدتي” بحضور مبعوثين أجانب، قُطعت خلال ذلك وعود، وانتُزعت تنازلات، قبل أن يتناولا العشاء معاً في منزل أحد كبار القادة العسكريين…). بعد ذلك اندلعت الاشتباكات العنيفة المفاجئة يوم السبت 15 نيسان/أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع.
كل هذا يدلل على أن أمريكا هي التي أشعلت الحرب لتنقل الصراع مع أوروبا في ساحة تديرها هي في الصراع والهدن؛ فكان منبر جدة والرباعية والخماسية، وآخرها هدنة بولس التي أعلنها في 20 حزيران/يونيو التي هي في حقيقتها تخدم خطة أمريكا لفصل دارفور عن السودان. أي أن الخطط التي قدمتها أمريكا حتى الآن تهدف إلى أمرين: الأول إظهار قوات الدعم السريع ككيان سياسي موازٍ يمتلك هيكلاً إدارياً وبرنامجاً سياسياً يجلس على طاولة المفاوضات. والثاني أن أمريكا تهدف من خلال اتفاقيات وقف إطلاق النار التي تقدمها إلى سد الطريق تماماً أمام استعادة الجيش لدارفور، وترسيخ سيطرة حميدتي عليها. ولذلك، من الضروري النظر إلى مقترحات وقف إطلاق النار التي تقدمها أمريكا، سواء عبر مسعد بولس شخصياً أو من خلال اللجنة الرباعية، من هذه الزاوية، أي التهيئة التدريجية لاستكمال فصل دارفور وجعل موضوع التفاوض مرتبطاً في مناطق النزاع الأخرى. وكما أخذت وقتاً في فصل جنوب السودان فهي هنا تفعل! أما ما ورد في المقترح من أزمة إنسانية في السودان فلا تهم أمريكا، أما دول أوروبا فترى أن قضية الحرب في السودان تكمن في الحل السياسي، أي ربط وقف الحرب بالمسار السياسي، وهذا ما لا تريده أمريكا.
لذلك نجد لقاءات جنيف السادسة قد ابتلعتها خطة بولس الأمريكية، فلم تخرج أوروبا إلا بخفي حنين. ومسعد بولس غير جاد في هدنته رغم موافقة البرهان وحميدتي عليها. فقد كشف مستشار البرهان أمجد فريد عن ورقة التوت لتصريحات بولس عن الهدنة: الحكومة السودانية رحبت بمقترح الهدنة الإنسانية ودعت إلى مشاورات فنية لبحث الترتيبات العملية لتنفيذها ومع ذلك يواصل مسعد بولس مطالبة السودان بقوله: بولس يتجنّب أي نقاش في التفاصيل الفنية للهدنة كأنّ تكرار المطالبة هو تقدّمٌ بحدّ ذاته. يبدو أن بولس يغفل أن يناقش شأن السودان مع الجميع تقريباً ما عدا السودانيين ودون أن تطأ قدمه أرض السودان. لو كان بولس جاداً بخصوص طرح الهدنة الإنسانية لكان قدّم خطة تشغيلية وجدولاً زمنياً مقترحاً وتصوراً لما بعدها. (قناة الشرق، 21/10/2026)
إن قضية السودان من ناحية دولية كان من المفترض أن تكون قضية صراع بين أهل البلاد وبين الدول المستعمرة. كما حصل مع أمريكا نفسها حين طردت الاستعمار وكونت دولة الولايات المتحدة الأمريكية، وكما حصل مع الصين بعد الحرب العالمية الثانية حين طردت الاستعمار الياباني والنفوذ الأجنبي وإقامة دولة شيوعية لها مكانتها في العالم. وكما هو الأمر الطبيعي في كل بلاد مستعمرة، أتيحت لها الإمكانيات الدولية والمحلية أن تتحرر من النفوذ الأجنبي، وتكوّن لنفسها دولة لها قضية، ولها وزنها الدولي، ولكن مع الأسف الشديد لم تكن هذه الحال هي حال قضية بلادنا. وإنما كانت قضية البلاد صراعا حادا بين أمريكا وبريطانيا على الاستعمار والنفوذ، فهم يحاولون دائما وضع قيود وسياج من الأكاذيب تحول دون أن يدرك أهل البلاد الحقائق على وجهها ودون أن يفكر أهل البلد مجرد تفكير بالتحرر والانعتاق خارج صندوق الاستعمار.
إن الانعتاق من الاستعمار لا يكون إلا بفكرة، ونحن باعتبارنا جزءاً من أمة عظيمة سادت العالم لقرون نعتنق العقيدة الإسلامية، كيف نقبل أن تكون بلادنا ساحة صراع للدول الاستعمارية؟! إن الأصل هو أن يكون الصراع بيننا وبين المستعمرين وأن نعمل جادين للتحرر من هذا الاستعمار واستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تقطع يد العابثين بوحدة بلادنا وننفك من قيود الاستعمار.




