اعمدة ورأي

تنوير النعمان حبيب الله أ.. لسودان… من النفق المظلم إلى أفق الدولة

تنوير النعمان حبيب الله أ.. لسودان… من النفق المظلم إلى أفق الدولة

تنوير
النعمان حبيب الله أ.. لسودان… من النفق المظلم إلى أفق الدولة
—————–
السودان لا تنقصه التضحيات، ولا تعوزه الموارد، ولا يفتقر إلى شعب واعٍ صبور. ما ينقصه حقًا هو نخبة سياسية تمتلك رؤية وطنية صادقة، تضع مصلحة البلاد فوق المصالح الحزبية، وفوق حسابات الخارج، وفوق أوهام الإقصاء والاستحواذ.
لقد أثبتت التجربة، مرة بعد مرة، أن الإقصاء السياسي لم يكن يومًا طريقًا للاستقرار، بل كان دائمًا الشرارة التي تشعل الحرائق. وكل مشروع سياسي يبدأ بإلغاء الآخر، ينتهي بإلغاء الدولة نفسها.
الطريق الوحيد للخروج من الأزمة السودانية المعقّدة لا يمكن أن يُعبد بالعزل، ولا بالتخوين، ولا بتصفية الحسابات التاريخية، وإنما بالتعايش الوطني، والعدالة، وبناء دولة المؤسسات.
أولًا: تشخيص الأزمة… فشل نخبة لا فشل شعب
الأزمة التي يعيشها السودان اليوم ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكم طويل من:
نخب سياسية عاجزة عن إنتاج مشروع وطني جامع
قوى تتعامل مع السياسة كغنيمة لا كمسؤولية
ارتهان بعض الفاعلين السياسيين للخارج، حتى أصبح القرار الوطني سلعة في سوق المصالح الإقليمية والدولية
هذه النخب، التي تتصدر المشهد اليوم، لم تفشل فقط في إدارة الدولة، بل فشلت حتى في الاتفاق على شكل الدولة، وفشلت في بناء الحد الأدنى من الثقة بينها وبين الشعب.
ثانيًا: لا خروج دون توافق داخلي
أي حديث عن إنقاذ السودان خارج إطار توافق سوداني–سوداني هو حديث مضلل.
لا حل يُستورد جاهزًا من الخارج، ولا تسوية تُفرض بقوة الضغط الدولي يمكن أن تصمد.
التوافق المطلوب ليس محاصصة جديدة، ولا تسوية نخب فوقية، بل:
اتفاق على قواعد اللعبة السياسية
احترام التنوع السياسي والاجتماعي والثقافي
تحييد السلاح عن السياسة، والسياسة عن الثأر
ثالثًا: العدالة… لا انتقام ولا إفلات
العدالة هي حجر الزاوية لأي انتقال حقيقي، لكنها عدالة دولة لا عدالة تشفٍّ.
لا يمكن بناء وطن على الانتقام، ولا يمكن طي صفحة الماضي بالإفلات من العقاب.
المطلوب:
عدالة انتقالية متوازنة
محاسبة قانونية شفافة
مصالحة وطنية تعترف بالأخطاء ولا تبرر الجرائم
رابعًا: إصلاح المؤسسات لا تقاسمها
الدولة الحديثة لا تُبنى بتقاسم الوزارات، بل بـ:
إصلاح الخدمة المدنية
إعادة بناء المؤسسات على أسس مهنية
فصل السياسة عن الإدارة
تمكين الكفاءة لا الولاء
من دون مؤسسات قوية، سيظل السودان دولة رهينة للأشخاص والمليشيات والتجاذبات.
خامسًا: تصحيح المسار… مسؤولية السودانيين
إذا لم يُسارع السودانيون، بكل أطيافهم، إلى تصحيح المسار السياسي، فإنهم سيظلون يدفعون ثمن:
فشل النخب
عجز المشاريع السياسية
غياب الرؤية لبناء الدولة الحديثة
وسيبقى السودان غارقًا في أزمات لا تنتهي، تُعاد إنتاجها كل بضع سنوات بأسماء وشعارات مختلفة.
الخلاصة
لنكن صادقين مع أنفسنا:
ما دمّر السودان ليس الجغرافيا ولا التنوع ولا حتى الحروب، بل نخبة سياسية مريضة يمكن تسميتها بلا مواربة:
نخبة الصفقات،
نخبة البيانات الفضفاضة،
نخبة المنصات الخارجية،
ونخبة الحديث باسم الشعب دون تفويض من الشعب.
هي نخبة تجيد الصراخ أكثر من التخطيط،
وتجيد الإقصاء أكثر من البناء،
وتتقن استدعاء الخارج أكثر من احترام الداخل،
حتى تحوّل الوطن عند بعضها إلى وسيلة للتمكين الشخصي لا غاية للإنقاذ الوطني.
هذه النخبة — كظاهرة سياسية — فشلت في الحرب، وفشلت في السلام، وفشلت في الدولة،
ولا يحق لها بعد اليوم أن تتحدث عن المستقبل وهي عاجزة عن الاعتراف بمسؤوليتها عن الخراب.
السودان لن ينهض ما دامت هذه العقلية تحكم المشهد،
ولا خلاص قبل أن يُسحب الملف الوطني من أيدي نخب لا تؤمن بالدولة إلا عندما تكون في يدها.
إما سياسة برؤية وطنية جامعة…
أو استمرار السقوط، باسم الثورة مرة، وباسم المدنية مرة أخرى،
والثمن — دائمًا — يدفعه الشعب.
السودان لا يحتاج خطابات ثورية جديدة، ولا شعارات جوفاء، بل يحتاج:
نخبة وطنية شجاعة
مشروع دولة لا مشروع سلطة
سياسة تُدار بالعقل لا بالغضب
وطن يُقدَّم على الحزب، وعلى الأيديولوجيا، وعلى المصالح الضيقة
إما أن نختار طريق الدولة،
أو نواصل الدوران في النفق…
والتاريخ لا ينتظر المترددين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى