اعمدة ورأي

إبراهيم النور قبوجة يكتب… قبوجيات.. حين عاد القصر إلى الدولة: سقوط وهم المليشيا وانكسار مشروع حميدتي

إبراهيم النور قبوجة يكتب... قبوجيات.. حين عاد القصر إلى الدولة: سقوط وهم المليشيا وانكسار مشروع حميدتي

إبراهيم النور قبوجة يكتب… قبوجيات..
حين عاد القصر إلى الدولة: سقوط وهم المليشيا وانكسار مشروع حميدتي
……………

في الخامس عشر من أبريل 2023، بدأت الحرب التي أرادت لها قيادة مليشيا الدعم السريع أن تكون معركة خاطفة تُسقط الدولة وتفتح الطريق أمام مشروع السيطرة على السودان. وفي ذلك اليوم اندلعت المواجهات حول مواقع استراتيجية في الخرطوم، بينها القصر الجمهوري،
لكن ما حدث بعد ذلك كان مختلفاً تماماً عن الحسابات التي بُني عليها التمرد.
كان الوهم كبيراً إلى درجة أن قائد المليشيا تصوّر أن القصر يمكن أن يصبح منصة حكم، وأن رئيس مجلس السيادة يمكن أن يتحول إلى سجين، وأن السودان يمكن أن يُدار بمنطق القوة والغلبة. غير أن الدولة ليست قصراً، والجيش الوطني ليس مجموعة من الحراس يمكن إزاحتهم في ساعات، والشعب السوداني لم يكن مستعداً لتسليم بلاده لمشروع مليشاوي مهما كانت الأموال والسلاح والدعم.
ثلاث سنوات ونيف كانت كافية لكي تكشف الأيام الفرق بين من يملك وهماً ومن يملك دولة.
اليوم، الصورة مختلفة تماماً.
عاد القصر الجمهوري إلى حضن الدولة، وعادت الحكومة إلى الخرطوم بعد أن ظلت تدير شؤون البلاد من بورتسودان خلال سنوات الحرب. وفي يناير 2026 أُعلن رسمياً عن عودة الحكومة إلى العاصمة، في خطوة جسدت استعادة مؤسسات الدولة لمركزها الطبيعي.
يا لها من مفارقة!
من كان يريد أن يجعل القصر عنواناً لسلطته، انتهى به الأمر بعيداً عنه؛ ومن كان يريد أن يجعل رئيس الدولة حبيساً، عاد رئيس الدولة إلى عاصمته يمارس مهامه، بينما صار قائد التمرد نفسه مطارداً بالاتهامات والأحكام القضائية.
وفي يوليو 2026، أصدرت محكمة سودانية حكماً بالإعدام «حميدتي» بعد إدانته بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، وفق ما أوردته تقارير صحفية.
وهنا لا يحتاج التاريخ إلى كثير من التعليق.
فالرجل الذي أراد أن يدخل القصر حاكماً، انتهى اسمه مرتبطاً بملف قضائي بالغ الخطورة.
والقوة التي ظنت أنها قادرة على ابتلاع الدولة، تحولت إلى مليشيا تتراجع أمام مؤسسات الدولة وقواتها، فيما تتعاظم الأسئلة حول مستقبل مشروعها ومصير قيادتها.
أما القصر الجمهوري، فقد استعاد معناه.
ليس لأنه مبنى فخم، ولا لأنه مجرد مقر لرئيس الدولة، وإنما لأنه أحد رموز السيادة السودانية. وعودة مؤسسات الحكم إليه تعني أن محاولة اختطاف الدولة لم تنجح، وأن الخرطوم لم تصبح عاصمة لمشروع مليشاوي، وأن السودان لم يتحول إلى غنيمة في يد قوة مسلحة.
لقد أرادت المليشيا أن تجعل من الحرب جسراً إلى السلطة، فإذا بالحرب تكشف هشاشة مشروعها.
وأرادت أن تجعل من الرعب وسيلة للحكم، فإذا بالرعب الذي زرعته يفتح عليها أبواب الحساب.
وأرادت أن تقدم نفسها بديلاً عن الدولة، فإذا بالدولة تستعيد عاصمتها ومؤسساتها، بينما تتخبط المليشيا في البحث عن مخرج سياسي وعسكري.
وليس المقصود هنا أن الطريق انتهى؛ فالسودان ما زال أمامه الكثير من العمل، والحرب خلفت جراحاً عميقة ودماراً واسعاً ومعاناة لا يمكن تجاهلها. والانتصار الحقيقي لن يكتمل إلا بإعادة الأمن، وعودة النازحين، وإعادة إعمار المدن، واستعادة الاقتصاد، وبناء دولة القانون والمؤسسات.
لكن هناك حقيقة واحدة لا يمكن القفز فوقها:
مشروع إسقاط الدولة عبر المليشيا فشل في الوصول إلى غايته.
وفي الذكرى الثانية والسبعين لعيد القوات المسلحة السودانية، الذي صادف الرابع عشر من أغسطس 2026، تأتي المناسبة مختلفة في معناها؛ فالقوات المسلحة تحتفل بعيدها بينما الدولة استعادت الخرطوم، ويؤكد رئيس مجلس السيادة أن الجيش مؤسسة وطنية لكل السودانيين وليست ملكاً لقبيلة أو جماعة.
التحية للقوات المسلحة السودانية، ولشهدائها وجرحاها ومن ظلوا في مواقعهم دفاعاً عن الوطن، والتحية للقوات المساندة وللمستنفرين ولكل سوداني وقف مع بلاده في محنتها.
والتحية قبل كل شيء للشعب السوداني؛ ذلك الشعب الذي دفع ثمناً غالياً، لكنه لم يقبل أن تتحول بلاده إلى دولة تحكمها المليشيات.
أما حميدتي ومشروعه، فقد كتب التاريخ فصلاً قاسياً من قصتهما: بدأ الحلم بالقصر، وانتهى بعيداً عن القصر؛ بدأت المغامرة بوهم إسقاط الدولة، وانتهت بمواجهة دولة استعادت عاصمتها ومؤسساتها.
والسودان الذي أرادوا اختطافه لا يزال واقفاً.
وسيظل المطلوب الآن ليس مجرد الاحتفال باستعادة القصر، وإنما استكمال استعادة الوطن كله، شبراً شبراً، وبناء سودان لا تكون فيه الكلمة الأخيرة للسلاح، وإنما للدولة والقانون والشعب.
فالقصر عاد إلى الدولة… والدولة ماضية لاستعادة السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى