اعمدة ورأي

عندما يجتمع الإعلاميون في زمن الحرب: ورشة تعيد تشكيل الوعي والسلامة”

عندما يجتمع الإعلاميون في زمن الحرب: ورشة تعيد تشكيل الوعي والسلامة"

عرفه خواجه تكتب.. نقطة:بداية.. ..
عندما يجتمع الإعلاميون في زمن الحرب: ورشة تعيد تشكيل الوعي والسلامة”

في مشهد يعكس إصرار الكلمة على البقاء رغم قسوة الظروف، وقفت وكيلة وزارة الإعلام، الأستاذة سمية الهادي، أمس الخميس، لتطوي صفحة أربعة أيام من العطاء المعرفي، في ورشة “تعزيز الصحافة المهنية والسلامة ومكافحة التضليل المعلوماتي في السودان”، التي احتضنتها الوزارة بالشراكة مع مكتب اليونسكو.

لم تكن مجرد ورشة عابرة، بل محطة فارقة في مسيرة الإعلام السوداني، الذي يخوض اليوم معركة وجود ، جمعت الورشة بين قاعاتها إعلاميين وصحفيين فرقتهم سبل النزوح والحرب، لكنهم التموا هنا على كلمة سواء: مهنة تحترم الدم، وتصون الحقيقة، وتحمي من يرويها.

في بلد يعيش حروب لم يعد الصحفي مجرد ناقل للأخبار، بل أصبح شاهداً على التاريخ في لحظة تكوينه، وهدفاً في بعض الأحيان. لذا، حملت الورشة في حقائبها أدوات إنقاذية، ليس للجسد فقط، بل للوعي وللحقيقة. فقد صُممت لتزويد الصحفيين بآليات تحديد المعلومات المضللة والتحقق منها، في زمن غدت فيه الشائعة أسرع من الضوء، والتضليل أداة حرب كالرصاصة.

كما ركزت على السلامة الجسدية والأمن الرقمي، وهما عنوانان باتا ضرورة لا رفاهية، في ظل اختراقات تطال الهواتف، وتتبع للتحركات، واستهداف مباشر لمن يغطون من الميدان.

وفي لفتة إنسانية عميقة، لم تغفل الورشة البعد النفسي، فكان محور “نهج التعامل مع الصدمات” الذي قدمه الدكتور عبدالمجيد محمد يحي، درساً في كيفية التعامل الأخلاقي مع الناجين والنازحين، وفهماً عميقاً لمعاناة من تتبقى منهم الحياة، إلى جانب العناية الذاتية بالصحفي نفسه، الذي قد يكون أكثر المتأثرين بما يروي، دون أن يجد من يراعي جراحه.

كما ناقشت الورشة “الحساسية تجاه النوع الاجتماعي”، إدراكاً بأن النزاع يطال النساء والرجال بشكل مختلف، وأن التغطية الصحفية يجب أن تعكس هذه الحساسية، لا أن تكون معزولة عن الواقع الاجتماعي المعقد.

ولم تكتفِ الورشة بالجانب التقني والمعرفي، بل تجاوزته إلى جوهر البقاء المهني: التمويل. ففي زمن تنهار فيه المؤسسات وتتوقف الرواتب، قدمت الورشة نماذج مستدامة لتمويل الأعمال الإعلامية، وهو حديث الروح الذي يبحث عنه كل صحفي في هذا البلد المنهك.

خرجت الورشة بتوصيات تبدو وكأنها وصفة إنقاذ عاجلة، لا تحتاج إلى فلسفة، بل إلى تنفيذ فوري: استمرار التدريب، وسن تشريعات تنظم الإعلام الإلكتروني، ومناقشة اقتصاديات الصحافة في ظل الحرب، إلى جانب مشروع طموح للتوثيق المؤسسي بالاستفادة من خبرات اليونسكو في الأرشفة، ودعوة المنظمة الدولية لدعم المؤسسات الإعلامية بالأجهزة وإعادة التأهيل.

في ختام هذه الرحلة المعرفية، وقف المشاركون ليشكروا اليونسكو ووزارة الإعلام، ليس مجاملة، بل اعترافاً بحاجة ماسة إلى مثل هذه المبادرات التي تعيد للصحفيين ثقتهم بأنفسهم، وتجمع شتاتهم، وتذكرهم بأنهم جزء من منظومة أخلاقية وإنسانية، لا مجرد أدوات لنقل الأخبار.

لقد كانت الورشة، بكل ما حملته من محاور وتدريبات، بمثابة تنفس عميق في زمن خانق، وتذكيراً بأن الصحافة ليست مهنة، بل رسالة، وأن الكلمة تبقى أقوى من الرصاص، ما دام هناك من يؤمن بأن الحقيقة تستحق العناء.

ولنا عودة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى