اعمدة ورأي

علي محمد طاهر علام يكتب.. السودان بين المجد المُستحق والهاوية المُختارة: من يُنقذنا من أنفسنا؟

علي محمد طاهر علام يكتب.. السودان بين المجد المُستحق والهاوية المُختارة: من يُنقذنا من أنفسنا؟

علي محمد طاهر علام يكتب..
السودان بين المجد المُستحق والهاوية المُختارة: من يُنقذنا من أنفسنا؟

في ظل التقاطعات المعقدة بين المآخذ والمآسي الشخصية، وبين الأزمات الوطنية الكبرى التي تعصف بالسودان، يتدحرج الوطن نحو الانهيار في ظرف استثنائي لم يشهد له مثيل. وبرغم الدمار الذي خلفته الحرب، والانتهاكات الجسيمة، والنزوح القاسي، والانهيار التدريجي للنسيج الاجتماعي، ما زال البعض يضاري الحكمة بالسذاجة، ويستبدل الوعي بالتبلد والسطحية.
لقد أحرقت الحرب الحجر والبشر، لكنها أيضا أحرقت ما تبقّى من الأخلاق والضمير الجمعي. ومن بين حطام الخراب، تسللت قيم مشوَّهَة تتغذى على الكراهية، والاصطفاف الأعمى، والتشهير، والقطيعة، والعبث بأواصر البناء الاجتماعي الممتد عبر التاريخ.
ورغما عن انين الجراح المفتوحة، لا يزال البعض يتعامل مع السودان كساحة نفوذ شخصية، لا كوطن جريح يحتاج منا إلى وقفة ضمير ومسؤولية. في هذه اللحظة التاريخية الحرجة التي تمر بها البلاد، فمن العار والمخزي جدا: ان يتحول الفن عند بعض الفنانين إلى أداة مجون ورقص فوق الدماء والخراب، بدلا من أن يكون مرآة لوجدان الشعب ومسرحاً يعبر عن مأساة الاطفال والنساء والضعفاء. وان يغدو الاعلام في كثير من الأحيان منبراً للتهييج، وتأجيج الخلاف، وتوسيع شقوق الانقسام، بدلاً من أن يكون منصة للوعي والحقيقة. أما صنّاع المحتوى، مازال بعضهم في سباق محموم على “الترند” واللايكات، بلا بوصلة أو حسٍّ بالمسؤولية. بينما كثير من السياسيون لا يزالون يذبحون الحقائق بالتضليل، يتوهمون الاستفراد بمقدرات الوطن والتكسب والارتزاق علي اشلاءه.
هؤلاء، وإن امتلكوا الشهرة، فقد فقدوا المعنى في اللحظة التاريخية التي نعيشها، لأنهم عجزوا عن نكران الذات وتحمّل المسؤولية. كم كنا نحتاج لمراجعات جريئة للمواقف والتصريحات، وكم كنا بحاجة إلى أدوار نبيلة تضع اللبنات الأولى لحلول جذرية لأزمة البلاد التاريخية.
نحتاج إلى فنان يغني للتلاقي  والبناء لا للفتنة والخراب، إلى إعلامي يحترم عقول الناس لا يستدرجهم للتفاهات والتضليل، وإلى ناشط يفتح نوافذ الحوار والأمل لا ينسج خيوط العداوة والإحباط، إلى سياسي يدرك أن القيادة تكليف لا تشريف ولا “تكويش”، وإلى مواطن يوقف هذا الانحدار بالتفكير الواعي والتفاعل المسؤول.
الوطن لن تنقذه البنادق وحدها، ولن تُبعَث فيه الحياة عبر موجات الترند الزائفة، بل عبر العقول النقية، والنفوس المتجردة، والأفعال المخلصة التي تضع مصلحة السودان فوق أي حساب ضيق أو انتماء أعمى.
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط فوهات البنادق، بل لامبالاة العقول، وغفلة القلوب، وسطحية القيادات والمشاهير. نحن أمام امتحان أخلاقي ووطني يكشف عن مدي نضجنا كأفراد ووعينا كمجتمع.
السودان لا يحتاج لمزيد من الضجيج، بل لمزيد من الضمائر المستيقظة.
ولا يحتاج لمزيد من الغضب، بل لمزيد من الفهم العميق. السودان يحتاج لصوت واحد يجمعنا على حب هذا الوطن، ويقودنا من عتمة الاحتراب إلى فسحة الانفراج.

فإن فشلنا في إنقاذ الوطن، فلن يكون السؤال: من خان السودان؟ بل: لماذا خان كل واحد منا دوره؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى