أيها النكرة… هذا ليس لعبًا بالقمر، بل عبثٌ بالشمس ذاتها د.أيمن محجوب عبد الله محمد
أيها النكرة… هذا ليس لعبًا بالقمر، بل عبثٌ بالشمس ذاتها د.أيمن محجوب عبد الله محمد

أيها النكرة… هذا ليس لعبًا بالقمر، بل عبثٌ بالشمس ذاتها
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
لم يسمع بك كثير من الناس إلا في الهامش، وأنت الآن، وقد تجاوزت سنّ الثمانين، تظن أن ما بقي من عمرك يصلح لتشويه ما لا يُشوَّه. ذهبت تقلّد أغنية القمر بوبا للفنان الإفريقي الأول محمد وردي، بأسلوبٍ لا يحمل من الطرب إلا اسمه، وكأنك قصدت أن تجعل من لسانك مطرقةً تهوي على أوتار السمع.
أما تعلم أيها العابر في رصيف الفن أن هذا الصوت الذي تحاول مسخه، هو بعضٌ من نبض السودان، وأن القمر بوبا ليست مجرد لحن، بل قطعة من ذاكرة شعب كامل؟ أما تعرف أن وردي لم يكن مغنيًا فحسب، بل كان مدرسةً في الإبداع، وأحد حراس الهوية؟
لكن دعني أذكّرك، وأنت الذي تتباهى بلسانك، بألسنةٍ إذا نطقت بالعربية خَرست أنت أمامها. تذكّر البروفيسور عبد الله الطيب، سيد البيان وفارس النحو الذي حيّر أهل المشرق والمغرب، وتذكّر الهادي آدم، الشاعر الذي أهدى الست أم كلثوم أغدًا ألقاك، فلماذا لم تحاول وأنت في مسرح التقليد أن تقترب من قمتها؟ أجبني: هل تخشى أن يفتضح ضحالة أدائك إذا حاولت بلهجتك أن تلمس قصيدة كتبها شاعرٌ من السودان؟
أذكّرك أيضًا بالطيب صالح، الأديب العالمي الذي جعل من موسم الهجرة إلى الشمال جسرًا بين العوالم، وبمحمد أحمد محجوب، الشاعر الذي رسم بالنيل لوحة خالدة: من نشوة الصهباء سلسله… وساكنو النيل سمران وندمان. وأذكّرك بمحمد الفيتوري، شاعر أفريقيا الأول، الذي جعل من الشعر سلاحًا ضد القبح الذي تحاول أنت أن تصنع منه فنًا.
هؤلاء يا نصف الموهبة هم لسان السودان، وهؤلاء هم من يحق لهم أن يلمسوا قلوب الناس بكلماتهم وأصواتهم. أما أنت، فقد اخترت أن تقف على درب السخرية الرخيصة، تمامًا كما فعل أسلافٌ لك في مسرح الهزل السياسي والفني، تسير على درب الفراعنة في الغرور، لكنك لم ترث منهم حضارتهم، بل ورثت عنهم الصدى الأجوف.
فلتعلم أن من يعبث بلغة السودان وصوته، إنما يعبث بتاريخ يطولك ظلّه ولا تبلغه خطاك، وأن السخرية من فنّه ليست لعبًا على مسرح، بل انتحارٌ على خشبة التاريخ.



