عباس إدريس جعفر يكتب.. في ذكري استشهاد المفكر مكي علي بلايل دعوات للاحتفاء به
عباس إدريس جعفر يكتب.. في ذكري استشهاد المفكر مكي علي بلايل دعوات للاحتفاء به

عباس إدريس جعفر يكتب.. في ذكري استشهاد المفكر مكي علي بلايل دعوات للاحتفاء به
تمر علينا هذه الأيام ذكري تأسيس حزب العدالة ويتزامن معه ذكري استشهاد الاستاذ مكي علي بلايل ،في شهر أغسطس ،وتتسع النقاشات بين المهتمين بالشأن السياسي والفكري في المجالس السياسية في السودان حول الشخصيات الأجدر بالتكريم والاحتفال بهم. بالممارسة الشريفة والنظيفة في العمل السياسي في السودان . ويبرز اسم الشهيد والمفكر السياسي مكي علي بلايل في مقدمة المرشحين لنيل هذا الشرف، وهو يمثل رمزًا للمعرفة والتجديد الفكري والجرأة النقدية والالتزام بقضايا المجتمع والإنسان. هذا الاقتراح نابع من قناعة عميقة لدى الأوساط السياسية والتنويرية بأن تكريمه والثناء عليه ، يمثل رسالة استراتيجية لمستقبل السياسة في البلاد، بالإضافة إلى كونه احتفاءً بشخصية لها أخلاق ومثل في الممارسة السياسية. بالإضافة إلى أن الشهيد كان حاضرًا منذ ان دخل جامعة الخرطوم في منتصف سبعينيات القرن الماضي طالبا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، ومن الداعمين لمشروعه السياسي الذي آمن به منذ بواكير اقتحامه الحقل الاقتصادي والاجتماعي الثقافي والسياسي بفكره ودوره الحيوي في المشهد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي.
ومن أقواله أن المسرح السياسي لم يُصمم ليكون مجرد محفل أو احتفال سياسي أو مناسبة ديكوريه وفولكلورية، بل أراده منصة جامعة تُذكّر المجتمع بأهمية العمل السياسي والثقافي كركيزة أساسية لبناء الهوية. ولذلك اختيارنا لشخصية مثل الشهيد مكي علي بلايل يعكس هذا البعد، لأنه وضع العمل في موقع لا يكتفي بالاحتفاء بالذاكرة الشعبية، بل يربطها أيضًا بالتحليل الفكري والنقد الأكاديمي.
لم يكن الشهيد مكي علي بلايل مجرد أكاديمي مرموق أو سياسي شغل مناصب دستورية رفيعة، بل كان مفكرًا موسوعيًا جمع بين الفلسفة والعلوم السياسية وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، مما مكنه من بناء مشروع فكري متكامل يربط بين الجانب النظري والتطبيقي ممثلا في قيمة العدالة التي غابت عن المجتمع السوداني . إن اختياره كشخصية محورية لمقالنا يعكس تقديرًا للدور الحيوي للعقل السياسي والأكاديمي في بناء الدولة والمجتمع، وإعادة الاعتبار للمفكرين في ظل هيمنة المشهد السياسي والضجيج الإعلامي.
منذ انطلاقته المهنية، تميّز الشهيد مكي علي بلايل بصوتٍ ثوريّ تحدّى الأعراف الراسخة التي تعيق مسيرة التنوير. لم يستسلم لمغريات المناصب، بل ركّز على طرح تساؤلات أساسية حول مفهوم الحرية والسلام والعدالة، والهوية الوطنية، والمواطنة الشاملة. وبالتالي، فإن تكريمه والاحتفاء به رمزيه تمثل احتفاءً بالشجاعة الفكرية والنزاهة الأخلاقية في عصرٍ يقل فيه من يجرؤون على التعبير عن الحقيقة.
على مدار سنوات عديدة، ساهم الشهيد بفعالية في تعزيز دور السياسة والثقافة كأداة أساسية للتنمية المجتمعية، حيث تم التعامل معها كعنصر حيوي لتحقيق الاستقرار الاجتماعي وتعزيز الهوية الوطنية الموحدة، وليس مجرد رفاهية. من خلال كتابته في الصحف السيارة ومشاركته في الفعاليات الفكرية، قدم الشهيد رؤية تعتبر أساسًا للسياسة وليست تابعة لها. بناءً على ذلك، كانت ممارسته السياسية تهدف إلى أن تكون منصة لصناعة المستقبل، والخيار الأمثل الذي يتماشى مع أهدافه..
لم يقتصر الشهيد على نطاق جغرافي ضيق، بل كان سياسيا و مثقفًا منفتحا حيث نقل قضايا الهامش السوداني إلى الساحات الأكاديمية والسياسية الإقليمية من خلال كتاباته في الصحف والمنابر التنويرية المتنوعة، وحوّل تجربته إلى مادة للنقاش علي كافة المستويات. هذا التوسع يجعله شخصية قادرة على ربط السياسة بالمشهد الثقافي المحلي والعالمي، مما يعزز انتشاره خارج حدود الدولة.
في لحظة تتسم باضطراب سياسي وتفكك اجتماعي، يحتاج المجتمع إلى رموز تعيد السياسة الي قيم المعرفة والالتزام الأخلاقي. إن إبراز لدوره اليوم لا يعني الاحتفاء بماضٍ منجز فقط، بل هو استثمار في المستقبل، حيث يمثل قدوة للأجيال الشابة الباحثة عن طريق مختلف لبناء الذات والمجتمع.
إن الجدل المتصاعد في أوساط المثقفين والمهتمين بالشأن السياسي والثقافي حول اهتماماته يثبت أن الرجل يحظى بـ قبول شعبي ونخبوي واسع، وأن هناك عطشًا لابراز دوره الوطني وتكريم شخصيته الفكرية بعيدة
من حظوظ النفس يمثل قرارًا استراتيجيًا يتجاوز التكريم الفردي داخل الغرف المغلقة، مؤكدًا بذلك مكانة السياسة والثقافة المحورية في جهود بناء الدولة السودانية. هذا الاختيار يمثل تقديرًا لروح الشهيد المثقف الملتزم بالمعرفة والنقد والتنوير، ودعوته الأجيال القادمة إلى إدراك أن المعرفة هي السبيل الأمثل لتحقيق مشروع كتلة تاريخية لمهمة تاريخية من حرية وسلام والعدالة والوحدة خيار الشعب.
عباس ادريس جعفر



