اعمدة ورأي

الخيال الشعبي… القوة الناعمة التي تنسج المجتمع من جديد “حين تصبح الحكاية الشعبية جسرًا للسلام ورتق النسيج الاجتماعي د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني

الخيال الشعبي... القوة الناعمة التي تنسج المجتمع من جديد "حين تصبح الحكاية الشعبية جسرًا للسلام ورتق النسيج الاجتماعي د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني

الخيال الشعبي… القوة الناعمة التي تنسج المجتمع من جديد

“حين تصبح الحكاية الشعبية جسرًا للسلام ورتق النسيج الاجتماعي

د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد
باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني

كل الحروب تترك وراءها دمارًا ماديًا يمكن إعادة بنائه لكنها تترك أيضًا دمارًا أشد قسوة يتمثل في تمزق الثقة بين الناس واهتزاز الشعور بالانتماء وتفكك العلاقات الاجتماعية وتراكم صور الخوف والكراهية. وإذا كانت الجرافات والمهندسون قادرين على إعادة تشييد المباني فإن إعادة بناء الإنسان تحتاج إلى أدوات مختلفة ربما يكون أهمها الثقافة والذاكرة والخيال.

ولذلك فإن المجتمعات التي نجحت في تجاوز الحروب لم تعتمد على الاتفاقيات السياسية وحدها وإنما أعادت أيضًا بناء الرواية التي يحكيها الناس عن أنفسهم وعن وطنهم وعن شركائهم في الوطن.

ومن هنا تبرز أهمية الخيال الشعبي باعتباره أحد أهم مصادر القوة الناعمة التي تمتلكها المجتمعات والقادر على أن يكون وسيلة فعالة في رتق النسيج الاجتماعي إذا أحسن توظيفه.

■ ما المقصود بالخيال الشعبي؟

الخيال الشعبي ليس مجرد أساطير أو حكايات للتسلية وإنما هو ذلك العالم الواسع الذي يشمل:

– الحكايات الشعبية.
– الأمثال.
– الأغاني.
– السيرة الشعبية.
– النوادر.
– الأساطير المحلية.
– القصص التي تتناقلها الأجيال.
– المعتقدات والرموز.
– الشخصيات البطولية في الذاكرة الجمعية.
– الطقوس والعادات والمناسبات.

إنه الوعاء الذي تختزن فيه الشعوب خبراتها وقيمها وتصوراتها عن الخير والشر والبطولة والكرم والشجاعة والعدل والتسامح.

ولهذا فإن علماء الاجتماع يعدونه جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية للمجتمع.

■ الإنسان يعيش بالحكايات أكثر مما يعيش بالحقائق

قد تبدو هذه العبارة مبالغًا فيها لكنها في الحقيقة تفسر كثيرًا من سلوك البشر.

فالناس لا يتذكرون الأرقام بقدر ما يتذكرون القصص.

ولا يتحركون بالبيانات وحدها بل بالمعاني التي تمنحها تلك البيانات.

فالطفل يتعلم الشجاعة من قصة.

ويتعلم الكرم من حكاية.

ويتعلم الصدق من بطل شعبي.

كما أن المجتمع قد يتعلم الكراهية أيضًا من قصة سيئة تتكرر حتى تتحول إلى حقيقة في الأذهان.

ومن هنا فإن الحروب لا تقتل الناس فقط وإنما تنتج روايات جديدة عن الآخر وقد تكون هذه الروايات أخطر من الرصاص نفسه لأنها تبقى في الذاكرة سنوات طويلة.

■ السودان… وطن بُني على الخيال الشعبي قبل المؤسسات

قبل قيام مؤسسات الدولة الحديثة كان المجتمع السوداني ينظم كثيرًا من حياته اعتمادًا على منظومة ثقافية واجتماعية متوارثة.

فكانت قيم:

– النفير.
– الفزع.
– الجودية.
– الديوان.
– الكرامة.
– الضيافة.
– حماية الجار.
– إكرام الضيف.
– نجدة الملهوف.

ليست قوانين مكتوبة لكنها كانت أكثر فاعلية من كثير من القوانين.

ولم يكن السوداني يتعلم هذه القيم من كتاب مدرسي وإنما من الحكايات التي يسمعها منذ طفولته ومن الأمثال التي تتردد في المجالس ومن الأغنيات ومن سير الرجال والنساء الذين أصبحوا رموزًا في المخيلة الشعبية.

■ نماذج من الخيال الشعبي السوداني

حين يسمع الطفل السوداني:

“الجار قبل الدار.”

فهو لا يحفظ مثلًا فحسب وإنما يتعلم فلسفة اجتماعية كاملة.

وحين يسمع:

“اليد الواحدة ما بتصفق.”

فهو يتعلم قيمة العمل الجماعي.

وحين يرى النفير في القرى والمدن يدرك عمليًا أن المجتمع يستطيع أن يتجاوز أزماته بالتعاون.

كما أن قصص الكرم السوداني وإغاثة الغريب وإكرام الضيف ليست مجرد مواقف فردية بل أصبحت جزءًا من الهوية الوطنية.

كما لم تقتصر الذاكرة الشعبية السودانية على الأمثال والحكايات بل حملت الأغنيات التراثية أيضًا رسالةً تربويةً عميقة فكانت تُغرس القيم في النفوس بلحنٍ عذب وكلمةٍ باقية. ومن أبرز هذه النماذج أغنية «سُنن البرامكة» التي تجاوزت كونها عملًا فنيًا لتصبح جزءًا من الوجدان الجمعي ورمزًا للقيم الإنسانية الأصيلة.

نجد أن “سُننُ البرامكة” ليست مجرد أغنية تراثية عالقة في الوجدان السوداني بل هي مدرسةٌ في القيم تعلِّمنا أن الكرم ليس وفرةً في المال وإنما سعةٌ في النفس وأن المروءة موقف وأن النجدة خُلُق وأن حسن الذكر هو الإرث الذي يبقى حين يزول كل شيء.

لقد حفظت الذاكرة الشعبية هذه الأغنية لأنها احتفت بمعانٍ إنسانية أصيلة فصار اسمها رمزًا للسخاء وإغاثة الملهوف وإكرام الضيف ومواساة المحتاج وهي قيمٌ ظل المجتمع السوداني يفاخر بها عبر الأجيال.

وهكذا تظل «سُنن البرامكة» أكثر من لحنٍ جميل؛ إنها رسالةٌ متجددة تُذكِّرنا بأن الإنسان يُخلِّده جميلُ صنيعه وأن الأوطان تُبنى بالأخلاق كما تُبنى بالجهود.

وقد رأينا خلال الحرب كيف عادت هذه القيم إلى الواجهة عبر التكايا والمطابخ الجماعية ومبادرات الشباب وإيواء النازحين وتقاسم الطعام والماء والدواء بين الأسر رغم شح الإمكانات.

وهذا يؤكد أن الخيال الشعبي ليس ماضيًا بل طاقة اجتماعية متجددة.

■ حين يتحول الخيال الشعبي إلى علاج للمجتمع

بعد النزاعات يحتاج الناس إلى استعادة الثقة.

وهنا تستطيع الحكاية الشعبية أن تقوم بما قد تعجز عنه الخطب السياسية.

فالمسرحية. والرواية. والفيلم. والأغنية. والشعر. والدراما.

كلها قادرة على إعادة تقديم الآخر بوصفه إنسانًا لا عدوًا.

ولهذا استخدمت دول عديدة الفنون الشعبية والقصص المحلية في برامج المصالحة الوطنية لأنها تصل إلى الوجدان أسرع من التقارير الرسمية.

■ الوجه الآخر… عندما يصبح الخيال الشعبي أداة للانقسام

لكن الخيال الشعبي ليس خيرًا مطلقًا.

فقد يتحول إلى وسيلة لترسيخ الصور النمطية.

وقد يغذي العصبية.

وقد يعيد إنتاج التمييز.

وقد يورث الكراهية بين الأجيال.

فالطفل الذي يسمع باستمرار أن جماعة معينة شريرة أو أقل شأنًا أو لا تستحق الثقة قد يحمل هذا التصور معه طوال حياته.

ولهذا فإن تنقية الموروث الشعبي ليست حربًا على التراث وإنما حماية له من أن يتحول إلى أداة للصراع.

■ ماذا يمكن أن نفعل في السودان؟

إذا كنا نتحدث اليوم عن التعافي وإعادة البناء فإننا بحاجة إلى مشروع وطني يعيد توظيف الخيال الشعبي في خدمة السلام.

ومن ذلك:

– جمع الحكايات الشعبية التي تعزز قيم التعايش.
– توثيق قصص التضامن التي شهدتها الحرب.
– إنتاج أفلام قصيرة مستوحاة من قيم النفير والفزع.
– إدخال قصص التسامح في المناهج الدراسية.
– دعم المسرح المجتمعي.
– تشجيع مسابقات الحكاية الشعبية.
– توظيف الإذاعات المحلية في نشر قصص النجاح المجتمعي.
– تدريب الشباب على توثيق الذاكرة الإيجابية للمجتمعات.

■ نماذج عالمية ملهمة

لقد استفادت دول عديدة من الموروث الثقافي في إعادة بناء المجتمعات بعد الأزمات.

ففي رواندا بعد الإبادة الجماعية لم يقتصر التعافي على المحاكم بل استُحضرت التقاليد المجتمعية المحلية لتعزيز المصالحة وإعادة بناء الثقة.

وفي اليابان أسهمت القصص الشعبية المرتبطة بالصمود والعمل الجماعي في ترسيخ ثقافة التعافي بعد الكوارث الطبيعية.

وفي إندونيسيا جرى توظيف الفنون الشعبية والمسرح المحلي بعد الكوارث لإعادة التماسك المجتمعي وتخفيف الآثار النفسية.

وهذه التجارب تؤكد أن الثقافة ليست نشاطًا هامشيًا بل موردًا استراتيجيًا في بناء السلام.

■ الخيال الشعبي والإسناد المدني

إذا كنا ندعو اليوم إلى الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق الإسناد المدني والتعافي المجتمعي فإن الخيال الشعبي يمكن أن يكون أحد أعمدة هذا التحول.

فالإسناد المدني لا يقوم على الموارد المالية وحدها بل يحتاج إلى وجدان جماعي يؤمن بالتكافل والمسؤولية المشتركة.

وعندما تتحول قيم النفير والفزع والجودية من موروث شفهي إلى برامج مجتمعية معاصرة فإننا لا نستنسخ الماضي بل نستثمر أفضل ما فيه لبناء المستقبل.

خاتمة

إن الدول لا تُبنى بالخرسانة وحدها بل بالحكايات التي يؤمن بها الناس.

والمجتمعات التي تفقد حكايتها المشتركة تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على التماسك.

إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار الطرق والمطارات والمدارس بل يحتاج أيضًا إلى إعادة إعمار المخيلة الوطنية؛ تلك المخيلة التي ترى في التنوع ثراءً وفي الاختلاف فرصةً للتكامل وفي الإنسان قيمةً تعلو على الانتماءات الضيقة.

فلنكتب حكاية جديدة للسودان؛ حكاية لا تُنكر الألم لكنها لا تسمح له بأن يكون مستقبلنا. حكاية تستلهم النفير والجودية والكرم والشهامة والتسامح لتصنع وطنًا يتسع للجميع.

فقد تكون الحكاية الصادقة أحيانًا أقدر على بناء السلام من ألف خطاب سياسي لأن ما يستقر في الوجدان هو الذي يصنع التاريخ ويمنح الأمم القدرة على النهوض من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى