“منظمات المجتمع المدني والتوعية بمخاطر المخدرات: بين الواقع والمأمول د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني
"منظمات المجتمع المدني والتوعية بمخاطر المخدرات: بين الواقع والمأمول د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني

“منظمات المجتمع المدني والتوعية بمخاطر المخدرات: بين الواقع والمأمول
د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد
باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني
في كل عام يوافق 26 يونيو اليوم الدولي لمكافحة إساءة استعمال المخدرات والاتجار غير المشروع بها، وهو مناسبة أقرتها الأمم المتحدة منذ عام 1987 لتعزيز التعاون الدولي ورفع الوعي بخطورة المخدرات وآثارها الصحية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية. وفي عام 2026 يأتي شعار اليوم الدولي داعيًا إلى إيجاد حلول قائمة على الاستشراف والابتكار والتضامن مع التركيز على الوقاية والعلاج ومكافحة الاتجار بالمخدرات وتعزيز الشراكات المجتمعية.
كما يأتي الشعار الوطني : “المخدرات حربٌ خفية… فلنتحد جميعًا لمكافحتها” إحياءا من السودان لليوم العالمي لمكافحة المخدرات لهذا العام تأكيدًا على أهمية توحيد الجهود الرسمية والمجتمعية لمواجهة هذه الآفة التي تستهدف الإنسان والأسرة والمجتمع. ويجسد هذا الشعار حقيقة أن مكافحة المخدرات ليست مسؤولية جهة بعينها بل هي واجب وطني ومجتمعي تشارك فيه مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والدينية ووسائل الإعلام والأسر لحماية الشباب ونشر الوعي وتعزيز قيم الوقاية وبناء مجتمع آمن ومستقبل أكثر استقرارًا.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بجرأة هو: أين تقف منظمات المجتمع المدني في هذه المعركة؟
إن مكافحة المخدرات ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها كما أنها ليست قضية صحية فحسب بل هي قضية مجتمع بأكمله. فكلما ضعفت الأسرة وتراجعت المدرسة وغاب الوعي واتسعت دائرة البطالة واليأس أصبحت المخدرات أكثر قدرة على اختراق المجتمعات واستهداف الشباب.
لقد أثبتت التجارب أن القبضة الأمنية مهما بلغت قوتها لا تكفي وحدها للحد من انتشار المخدرات ما لم يرافقها عمل مجتمعي واسع يقوده الوعي وتدعمه المؤسسات المدنية ويشارك فيه الإعلام ودور العبادة والمدارس والجامعات والقيادات المجتمعية.
الواقع… جهود موجودة لكنها غير كافية
لا يمكن إنكار أن العديد من منظمات المجتمع المدني تنفذ حملات توعوية وبرامج شبابية وورش عمل وأنشطة رياضية وثقافية تهدف إلى حماية الشباب من الوقوع في براثن الإدمان. إلا أن هذه الجهود ما زالت تواجه تحديات كبيرة من أبرزها:
– ضعف التمويل المخصص لبرامج الوقاية.
– غياب الاستراتيجيات الوطنية التي تدمج المجتمع المدني كشريك رئيسي.
– محدودية الحملات المستمرة واقتصار كثير منها على المناسبات السنوية.
– نقص الكوادر المتخصصة في التوعية والإرشاد النفسي والاجتماعي والعلاجي.
– ضعف التنسيق بين الجهات الحكومية والمنظمات التطوعية والمؤسسات التعليمية والإعلامية.
وفي البلدان التي تعاني من النزاعات والأزمات الإنسانية تصبح المخدرات أكثر خطورة إذ تستغل شبكات الاتجار ظروف الفقر والنزوح واللجؤ والهجرة والبطالة وانهيار الخدمات مما يجعل فئات واسعة من الشباب أكثر عرضة للاستهداف والاستغلال.
المأمول… من التوعية الموسمية إلى الوقاية المستدامة
المطلوب اليوم ليس مجرد منشورات أو محاضرات عابرة بل بناء ثقافة مجتمعية راسخة تجعل رفض المخدرات سلوكًا يوميًا وقناعةً راسخة.
ويستطيع المجتمع المدني أن يقود هذا التحول عبر:
– إعداد برامج وقائية مستمرة تبدأ من الطفولة.
– بناء شراكات مع المدارس والجامعات والمساجد والكنائس والأندية الرياضية.
– استثمار وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى الشباب بلغة عصرية ومحتوى مؤثر.
– تدريب المتطوعين ليكونوا سفراء للتوعية داخل مجتمعاتهم.
– دعم الأسر ببرامج الإرشاد الأسري وتعزيز مهارات التربية الوقائية.
– المساهمة في دمج المتعافين من الإدمان داخل المجتمع بعيدًا عن الوصم والإقصاء.
– إجراء بحوث ودراسات ميدانية تساعد صناع القرار على فهم حجم المشكلة ووضع السياسات المناسبة.
التوعية مسؤولية جماعية
إن أخطر ما في المخدرات أنها لا تدمر فردًا واحدًا بل تمتد آثارها إلى الأسرة والاقتصاد والأمن والاستقرار الاجتماعي. ولذلك فإن نجاح أي مجتمع في الحد من انتشارها يبدأ من اقتناع الجميع بأن الوقاية مسؤولية مشتركة وليست مهمة جهة واحدة.
فالمعلم يقي والأسرة تقي والإعلام يقي ورجل الدين يقي ومنظمات المجتمع المدني تقي والدولة تنظم وتحمي وتدعم.
أخيرا
إن اليوم الدولي لمكافحة المخدرات ليس مناسبة للاحتفال بل فرصة للمراجعة والمساءلة وتجديد الالتزام. فالمجتمعات التي تستثمر في الوقاية توفر على نفسها كلفة العلاج والجريمة والانهيار الاجتماعي.
ويبقى الأمل معقودًا على منظمات المجتمع المدني لتنتقل من دور المساند إلى دور الشريك الاستراتيجي في صناعة الوعي وبناء جيل يعرف قيمة الحياة ويحصّن نفسه بالعلم والإيمان والانتماء ويرفض أن يكون ضحية لتجارة تستثمر في تدمير الإنسان قبل أي شيء آخر.
فالوقاية ليست حملة ليوم واحد… بل مشروع مجتمع ومسؤولية وطن ورسالة إنسانية لا تنتهي.




