الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكًزة : من محنة الخرطوم إلى مشروع السودان الجديد
الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكًزة : من محنة الخرطوم إلى مشروع السودان الجديد

الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكًزة : من محنة الخرطوم إلى مشروع السودان الجديد
* اليوم يقف أهل السودان في كرب عظيم وابتلاء جسيم، وفتنة مدلهمة أرادها الله تمحيصًا وامتحانًا لهم. فقد سُلِّطت عليهم مليشيا الدعم السريع المتمردة وأعوانها في الداخل والخارج، لكن يقيننا أن هذا الشعب الذي صبر واحتسب سيعبر بإذن الله إلى النصر والتمكين، كما عبر من قبل ابتلاءات كثيرة، مدافعًا عن دينه ودمائه وأعراضه وأمواله وأرضه.
* وما يتطلع إليه أهل السودان بعد هذا الكرب العظيم هو بناء دولة آمنة مستقرة، راسخة في أمنها العام وسلامها الاجتماعي، متطورة مزدهرة، أساسها العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات.
* ولأن الخرطوم هي عاصمة البلاد ورأس الرمح في هذه المحنة، ولأنها الأكثر تضررًا من الحرب، فإن النظر إلى حالها اليوم يعطينا صورة عن عمق التحدي. فقد فقدت المدينة أكثر من 80٪ من سكانها، ومعهم شبابها من العمال المهرة، وصغار التجار، وأصحاب رؤوس الأموال، الذين ابتلعتهم المنافي والملاجئ. خسرَت الخرطوم طاقتها الحية دفعة واحدة.
* يضاف إلى ذلك العجز المريع في الخدمات، والبيروقراطية الثقيلة، وانعدام الرؤية الكلية لمستقبل الولاية. فمحاولات إعادتها إلى سيرتها الأولى ضرب من الدوران في حلقة مفرغة، إذ لا يعود إليها إلا من عجز عن التكيف في المنافي، ليجد نفسه أمام بيت بلا أبواب ولا نوافذ، وخدمات غائبة، وعطالة خانقة، فيتحول إلى عبء جديد على حكومة الولاية المنهكة أصلًا.
* إن مشكلات الخرطوم – في تقديري – لا يمكن علاجها بمعزل عن خطة قومية شاملة لإصلاح شأن البلاد كله. وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا تتركز ثلث سكان السودان في ولاية واحدة؟ الجواب معروف: لتوفر الخدمات.
* لقد آن الأوان لتصحيح هذا الوضع. والخطة البديلة هي “خطة الاستقرار والإنتاج الغزير”: أن تُنقل مقومات الاستقرار إلى المواطن في قريته، من أمن ومياه وطاقة وتعليم وصحة واتصالات ونقل، ثم يبدأ الإنتاج الغزير وفق ميزة كل منطقة؛ زراعية أو رعوية أو صناعية أو تعدينية أو خدمية. عندها يتوزع الناس حيث مواردهم، وتتنفس الخرطوم الصعداء.
وفي هذا التصور، تنشأ العاصمة الإدارية الاتحادية صغيرة ورشيقة، وتبقى الخرطوم ولاية تعتني بسكانها القلائل: كبار موظفي الدولة والسلك الدبلوماسي وسكانها الأصليين، بينما يزدهر السودان من أطرافه لا من مركز واحد يبتلع الجميع.
* إن ما يمر به السودان اليوم امتحان عسير، لكنه قد يكون مدخلًا لنهضة جديدة إن أحسنّا قراءة الدرس. الخرطوم ليست النهاية، بل مفتاح السؤال الكبير: كيف نبني وطنًا متوازنًا يستقر فيه المواطن حيث يُنتج ويُثمر؟ الجواب بيد السودانيين، وبقدر صبرهم على الابتلاء سيكون عطاؤهم في البناء.
دمتم سالمين آمنين تامين لآمين




