الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكًزة :من التجربة المُرّة إلى الأمل المعلق : دروس واجبة لرئيس الوزراء الجديد.
الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكًزة :من التجربة المُرّة إلى الأمل المعلق : دروس واجبة لرئيس الوزراء الجديد.

الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكًزة :من التجربة المُرّة إلى الأمل المعلق : دروس واجبة لرئيس الوزراء الجديد.
* بعد أعوام من التيه السياسي والارتباك الإداري والانقسام الوطني، يقف السودان اليوم على مفترق طرق حاسم. فمن جهة، جراح لم تندمل بعد خلّفتها حكومات كارثية متعاقبة، ومن جهة أخرى، أمل يتشبث به الناس مع تعيين رئيس وزراء جديد يعقد عليه الشعب آمالًا عريضة في الخلاص وإعادة البناء. غير أن التجربة المريرة التي عاشها الناس جعلتهم أكثر وعيًا ويقظة، وأشد حرصًا على حماية بلادهم من تكرار الكارثة.
* لقد مثّلت الحكومات الثلاث التي شكّلتها قوى الحرية والتغيير (قحت) برئاسة د. عبد الله حمدوك عقب التغيير السياسي في 2019، واحدة من أسوأ تجارب الحكم في تاريخ السودان الحديث، إذ أدّت إلى تفكيك مؤسسات الدولة، ودمّرت البنية التحتية، وقوّضت القانون، وسلّمت البلاد إلى الفوضى والانهيار. ولم يكن غريبًا أن تخرج هذه الحكومات بثورة تصحيحية في أكتوبر 2022، بعدما انكشفت عجزها ونواياها.
* لكن قحت، وجناحها المسلح، لم يستسلما. بل قادا انقلابًا مسلحًا في 15 أبريل 2023 عبر مليشيا متمردة بهدف الاستيلاء على السلطة بالقوة. وعندما فشلت المحاولة، أشعلوا حربًا وجودية ضد الشعب السوداني، لا تزال نيرانها تفتك بالأرواح والممتلكات حتى اليوم.
* ورغم مرور هذه الفترات العصيبة، لم تتشكل أي حكومة وطنية منذ خروج حكومة حمدوك، حتى تم اختيار البروفيسور كامل إدريس رئيسًا للوزراء، على أمل تشكيل حكومة كفاءات وطنية تستطيع توحيد الصفوف، وتسريع النصر، وفتح الباب أمام نهضة جديدة.
* لكن هذه المرحلة الحساسة وضعت الشعب في حالة يقظة قصوى، فلم يعد القبول بمن يتولّى الوظيفة العامة بالأمر السهل. بل أصبح معيار الوطنية والولاء الكامل للسودان ولمعركة الكرامة هو الفيصل. ولم يعد هناك مكان للعملاء أو المتعاطفين مع التمرد وقحط، أو حتى أولئك الذين تدور حولهم الشبهات.
* لذلك، لم يكن غريبًا أن تُثار الشكوك حول رئيس الوزراء نفسه بسبب علاقته الطويلة بالمنظمات الدولية، وجنسيته المزدوجة، وخلفيته الفكرية. ولا تزال عيون الناس ترقبه بعين الريبة، حتى يبرهن بالفعل والقرار على إخلاصه للوطن لا لغيره.
وقد انعكس هذا الحذر أيضًا على الفريق الوزاري المقترح. فقد قوبل وزير الصحة الجديد برفض واسع واتهامات قديمة بموالاته لقحت. بينما نال زميلاه في وزارتي التعليم العالي والزراعة إشادة عامة بسبب كفاءتهما وحيادهما السياسي.
* وما يزيد الأمر خطورة أن وزارة الصحة من أكثر الوزارات التي أفسدتها حكومة قحت، إذ اتخذتها نموذجًا لتجريب نهجها الأيديولوجي والاداري. ولا تزال الوزارة تعاني من آثار تلك المرحلة، مما جعل تعيين أي شخصية قريبة من قحت فيها مدعاة للقلق والرفض الشعبي.
* يا سيادة رئيس الوزراء، العاصفة التي صاحبت تعيين وزير الصحة لم تكن موجة عابرة، بل كانت جرس إنذار عميق. فالشعب السوداني بات أكثر وعيًا، ولن يقبل أن تُعاد تجربة قحت بوجه جديد. المطلوب اليوم هو حكومة نظيفة، قوية، بعيدة عن الأدلجة والارتهان، قادرة على قيادة البلاد بثقة في زمن المعركة والمحنة.
فاجعل هذه العاصفة دليلك، والنقد بوصلتك، ولا تخذل وطنًا يستصرخ قيادته من الرماد.
دمتم سالمين آمنين تامين لآمين




