مقالات

مقتطفات من خطبة العيد في مدينة بورتسودان للشيخ الجليل يعقوب ابراهيم ( أبو إبراهيم)

مقتطفات من خطبة العيد في مدينة بورتسودان للشيخ الجليل يعقوب ابراهيم ( أبو إبراهيم)

مقتطفات من خطبة العيد في مدينة بورتسودان

للشيخ الجليل يعقوب ابراهيم
( أبو إبراهيم)

يأتي العيد، رغم ما فيه من نعمة بعد الصيام والقيام وهذا العيد، إلا أن أحوال المسلمين لا تسر صديقاً ولا تغيظ عدوا! فالأمة تكتوي بالمصائب والمآسي، فكم من فقراء يعيشون تحت وطأة البؤس والشّقاء، وهموم الفاقة والحاجة، وقساوة التّهجير والتّشريد، وذل اللجوء والنزوح، فيهم ذوو الحاجات لا مورد لهم، فيهم أرامل لا عائل لهنّ، وأيتام لا آباء لهم، وفيهم مهجّرون ومشرّدون لا موطن لهم، إنهم إخواننا، يعيشون أوضاعًا قاسيةً، ويذوقون مرارات في أراضٍ منكوبة بشهدائها وأسراها، وأراملها، ويتاماها، ثقلت عليهم الحياة، وتوالت عليهم النّكبات، واشتدّت عليهم نوائب الدّهر من قوى الشرّ الجائرة، في عالم قاسٍ اختلّت فيه الموازين، فاستلم الكافر المستعمر قيادة البشرية ظلماً وطغياناً، وانزوت أحكام الإسلام السمحة عن حياتنا فكانت هذه هي المصيبة الكبرى.
يأتي العيد وأوضاع المسلمين مختلّة، نزاع هنا، وحروب هناك، وفقر يضرب بأطنابه أرجاء البلاد. ما يعيشه أهلنا في فلسطين، في غزّة الصّمود والرّباط، وفي السودان في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وحتى المدن الأخرى مهددة بالمسيرات، وفي إيران والشرق الأوسط عموماً وفي لبنان. حيث يشاهد العالم كله على المباشر مناظر القتل والذبح والاغتصاب، مناظر تتفطّر منها القلوب، وتدمع العيون، ويندى لها الجبين، يُرى صور الشّهداء والجرحى، صور الثّكالى واليتامى، يُرى آلاف البيوت وقد سُوّيت بالأرض وعلى رؤوس أصحابها، والمستشفيات والمساجد دُكت دكاً، وقد هُدّمت على من فيها، يرى الدّمار والخراب، يرى ألوانًا فظيعةً من الجرائم الإنسانيّة، لم يُعرف لها مثيل في تاريخ البشريّة، كل ذلك يحدث في بلاد المسلمين!!!
ولا تزال الحروب مشتعلة وطائرات العدو، وغير العدو، ترمي بشررها على رؤوس النساء، والشيوخ والأطفال، ولم يسلم من ويلاتها الشجر ولا الحجر.

والحال كذلك، كانت الحاجة ملحة اليوم، أن تلجأ الأمة إلى إمام يتقى به ويقاتل من ورائه، ويعصمها من شرور الكفار وأعوانه، فكان لا بد من رسائل:
أولاً: إلى حكام بلاد المسلمين؟ أليس فيكم رجل رشيد؟؟ إن بأسكم بينكم شديد، وهو محرم عليكم قتال أنفسكم وشعوبكم، ثم إن انصياعكم للكافر المستعمر يزيد في كل يوم جديد. فاعلموا أن هذا الولاء للكافر المستعمر هو جريمة كبرى، تورثكم خزياً وصغاراً في الدنيا، وعذاباً أليماً في الآخرة. وكيف تنسون أن الكافر عدو لكم ولأمتكم ولدينكم، وأنتم ترجونه ليحل مشاكلكم، أما سمعتم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ﴾. فإذا انتهت صلاحيتكم فستلفظكم لفظ النواة، وقد رأيتم من كان قبلم ماذا فعل بهم الغرب الكافر لو كنتم تعقلون.
أليس فيكم رجل رشيد يحرر الأقصى من دنس يهود، ويعيد البلاد المفتتة إلى حضن المسلمين، أم تنتظرون مزيداً من التفتيت، فإنفصال دارفور في الطريق، وكردفان، والشرق، والشمال، وكذلك تجري مؤامرات في سوريا واليمن ولبنان وكثير من بلاد المسلمين؟! خاصة بعد أن تحرك الغرب الكافر وربيبهم يهود، يسعون في الأرض الفساد والدمار؟!
وإلى قادة الجيوش، وقادة المجتمع، وزعماء العشائر، أما آن لكم، أن ترضوا ربكم بإعزاز دينه ونصرة العاملين لإقامة شرعه في الأرض، أم أن قوتكم وسلاحكم لتمرير مشاريع الغرب في بلاد المسلمين؟!
ثانياً: أيها المسلمون بعامة:
اعلموا أن خلاصكم في اعتصامكم بدينكم الذي أمر بوحدتكم، ووحدة دولتكم، التي تنقذ الأمة، ويعيد لها عزتها، ويقوي شوكتها، ويجعل أعداءها يفكرون ألف مرة قبل أن يعتدوا عليها، هذا هو فقط بأن تعود خلافتها الراشدة على منهاج النبوة من جديد، وتشرق الأرض بخيرها وعدلها، فوحدة الأمة في خلافتها ستقضي على عنجهية الكفار المستعمرين الذين يسيحون في الأرض الفساد.
ثالثاً: أيها الشباب:
إن 80% من أبناء الأمة هم من فئة الشباب، وهذا سلاح لا يملكه الكافر المستعمر، فقوموا إلى دين الله وانصروه، كما نصر أسلافكم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعد أن درسوا الإسلام وفهموه وعقلوه. فقد كان خيرة كتلة الصحابة هم من الشباب: فتكتل هؤلاء وحملوا هم الدعوة، وقد آمن به  ولازمه ودأب على الدعوة معه كل من: علي بن أبي طالب وكان عمره ثماني سنوات، والزبير بن العوام وعمره ثماني سنوات، وطلحة بن عبيد الله وكان ابن إحدى عشرة سنة، والأرقم بن أبي الأرقم وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وعبد الله بن مسعود وهو ابن أربع عشرة سنة، وسعيد بن زيد وهو دون العشرين، وسعد بن أبي وقاص وهو ابن سبع عشرة سنة، ومسعود بن ربيعة وهو ابن سبع عشرة سنة، وجعفر بن أبي طالب وهو ابن ثماني عشرة سنة، وصهيب الرومي وهو دون العشرين، وزيد بن حارثة وهو في حدود العشرين، وعثمان بن عفان في حدود العشرين، وطليب بن عمير وهو في حدود العشرين، وخباب بن الأرت وهو في حدود العشرين، وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين.
فأقبلوا أيها الشباب، وتثقفوا بأفكار الإسلام، لتكونوا وقوداً يحرق الفساد، لا معولاً للإفساد.
رابعاً: يا معشر النساء:
إن الله سبحانه وتعالى قد جعل الجنة تحت أقدام الأمهات، فقَالَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ) واعلمن أن الله سبحانه وتعالى قد كلفكن بأحكام هذا الدين كما كلف به الرجال فقال سبحانه: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)
لا يخفى عليكن أن زمانَنا هذا قد تكاثرتْ فيه الفتنُ، وهجمتْ فيه المغرياتُ من كل حدَبٍ وصوبٍ، وكَبُرَ فيه المكرُ خصوصا عليكنَّ يا معشر النساء. وقد علم العدوُّ والصديق، أن صلاحَ المرأةِ هو صلاحُ الأمة، وفسادُها هو فسادُ الأمة، فالجيلُ إنما يُصنعُ على عينِ النساء، ويخرجُ من يديْهن. فأقبلن على أحكام الإسلام ودراستها صباح مساء، ورحم الله من قال: مَنْ عَلَّمَ “رَجُلًا” فقد علَّم فرداً، ومَن عَلَّم امرأة فقد علَّم شعبًا، زكّى اللهُ قلوبَكن، ونوَّرَ بالهدى طريقَكن، وجعل القرآنَ والسنةَ زادَكن، وأجرى الخيرَ والصلاحَ على أيديكن.
اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ وَللهِ الحَمدُ
اللهم اغفرْ لنا ولوالدينا ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم.

الخطبة الثانية:
الله أكبر الله أكبر ما أهلّ هلال العيد يسبّح بحمد الله، وهو الحميد المجيد، الله أكبر ما أشرقت بأنوار الطاعة القلوب والجباه، الله أكبر ما تعطّرت بنشر الذّكر المجالس والأفواه، الله أكبر ما توجّه مؤمن إلى مولاه، بقلب مخلص وضمير أوّاه، وكرّر في سرّه ونجواه الله أكبر.
إنّ على المسلمين اليوم، وبين أيديهم كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم صلّى الله عليه وسلم، أن يراجعوا أوضاعهم، فلا خلاص لكم من هذه المصائب إلا خلافة راشدة على منهاج النبوة، وهو كائن بإذن الله رغم هذا المكر والكيد للإسلام والمسلمين، ورغم ما بنا من نكبات، وإني أبشكركم، وأذكركم، بقول رَسُولَنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ : (لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ) رواه أحمد
وقالت إحدَى دراسات الغرب الكافر المتخصِّصة: إنَّ مستقبل نظام العالم مستقبلٌ دينيّ، وسوف يسود النظامُ الإسلاميّ على الرغم من ضَعفه الحالي؛ لأنّه الدين الوحيد الذي يمتلك قوّةً شموليّة.
وهذا الأمر يحتاج منكم جميعاً أن تهبوا هبة رجل واحد، وتعملوا مع العاملين لاعزاز دين الله في الأرض، ببذل جهود جبارة، والقيام بأعمال عظيمة، وقمتم للعمل، حينها تتنزل الملائكة عونا وتثبيتاً إن شاء الله. (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم).
الدعوات:
اللهم ارحم المستضعفين من المسلمين وكن لهم ناصرًا، اللهم ابسطْ الأمنَ والإيمانَ والسلامةَ والإسلامَ والمحبةَ والوئِامَ على جميعِ بلادِ الإسلامِ، وكن للمسلمين معيناً……
هذا وإنّ خير ما يكون للكلام مسكًا وختامًا، كلام ربنا، نتّخذه قائدًا وإمامًا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ، بلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى