اعمدة ورأي

حين يصبح العرض بلا معنى: سقوط الدراما السودانية في رمضان د.أيمن محجوب عبد الله محمد

حين يصبح العرض بلا معنى: سقوط الدراما السودانية في رمضان د.أيمن محجوب عبد الله محمد

حين يصبح العرض بلا معنى: سقوط الدراما السودانية في رمضان
د.أيمن محجوب عبد الله محمد

في كل عام، يأتي شهر رمضان بوصفه الموسم الذهبي للدراما العربية، حيث تتسابق الأعمال لتقديم أفضل ما لديها، غير أن الدراما السودانية هذا العام بدت وكأنها خرجت من السباق مبكرًا، مخلفة وراءها خيبة أمل واسعة لدى الجمهور. فبدلًا من أن تكون نافذة للإبداع والتجديد، تحولت بعض الأعمال إلى نماذج صارخة على التراجع، وفي مقدمتها مسلسلات مثل حنين وغريب وغبار الخيانة وخط أحمر.
أول ما يلفت النظر في هذه الأعمال هو ضعف النصوص. فالقصة، التي تُعد العمود الفقري لأي عمل درامي، جاءت في كثير من الأحيان مفككة، تفتقر إلى الحبكة المتماسكة والتصاعد الدرامي المقنع. في حنين مثلًا، بدا السرد بطيئًا ومكررًا، يعتمد على استدرار العاطفة دون بناء حقيقي للشخصيات، بينما عانى غريب من غموض غير مبرر تحول من عنصر تشويق إلى مصدر إرباك للمشاهد.
أما غبار الخيانة، فقد سقط في فخ المبالغة والطرح السطحي لقضايا حساسة، حيث عُولجت موضوعات الخيانة والعلاقات الإنسانية بطريقة مباشرة تفتقر إلى العمق، وكأن العمل يكتفي بإثارة الجدل بدلًا من تقديم رؤية فنية ناضجة. وفي خط أحمر، ظهرت أزمة أخرى، تمثلت في الحوارات الضعيفة والمفتعلة، التي بدت أحيانًا بعيدة عن واقع المجتمع السوداني، ما أفقد العمل مصداقيته.
الإخراج بدوره لم يكن في مستوى التحدي. فقد بدت بعض المشاهد وكأنها صُورت على عجل، دون اهتمام بالتفاصيل البصرية أو الإيقاع العام للعمل. الانتقالات كانت تقليدية، وزوايا التصوير محدودة، ما جعل الصورة فقيرة مقارنة بما يقدمه المشاهد السوداني اليوم من أعمال عربية وعالمية عبر المنصات المختلفة.
ولا يمكن إغفال مشكلة الأداء التمثيلي، حيث ظهر التفاوت واضحًا بين الممثلين. فبينما حاول بعضهم إنقاذ المشهد، بدا آخرون غير متمكنين من أدواتهم، ما انعكس سلبًا على مصداقية الشخصيات. ويبدو أن غياب التدريب الكافي وورش العمل الاحترافية أسهم في هذا التراجع.
ورغم كل ذلك، فإن تحميل المسؤولية للفنانين وحدهم قد لا يكون منصفًا. فالإنتاج يلعب دورًا محوريًا، والميزانيات المحدودة، وضعف التخطيط، وغياب الرؤية الواضحة، كلها عوامل تتضافر لتنتج هذا المستوى المتواضع. كما أن غياب المنافسة الحقيقية داخل السوق السوداني يقلل من دافع التطوير والابتكار.
ولعلّ أكثر ما يعبّر عن حجم الإخفاق، أن هذه المسلسلات مرّت مرورًا باهتًا دون أن تترك أي أثر يُذكر في وجدان الجمهور. لم تُشعل نقاشًا، ولم تصنع حالة، ولم يرتبط بها المشاهد كما يحدث عادة مع الأعمال الناجحة، بل بدت وكأنها عُرضت في فراغ لا يتابعه أحد. وكأن شيئًا لم يكن يُقدَّم أصلًا، في مشهد يُجسّد فجوة حقيقية بين ما يُنتج وما ينتظره الجمهور، ويؤكد أن المشكلة لم تعد في التفاصيل فقط، بل في القدرة على الوصول إلى الناس والتأثير فيهم.
إن فشل هذه الأعمال لا يعني نهاية الدراما السودانية، بل يجب أن يكون جرس إنذار. فالسودان يمتلك مخزونًا ثقافيًا وإنسانيًا ثريًا، وقصصًا تستحق أن تُروى بجودة تليق بها. المطلوب اليوم هو إعادة النظر في أسس الصناعة: بدءًا من كتابة النصوص، مرورًا بالتدريب والتأهيل، وانتهاءً بالإنتاج والتسويق.
في النهاية، يبقى السؤال: هل تتعلم الدراما السودانية من هذا الإخفاق، أم تستمر في الدوران داخل نفس الحلقة؟ الإجابة مرهونة بمدى الجرأة في الاعتراف بالأخطاء، والاستعداد الحقيقي لبناء مستقبل درامي يليق بالجمهور السوداني وتطلعاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى