عباس إدريس جعفر يكتب حكومة جنوب كردفان: ثلاثة أعوام من العزلة تحت الحصار
عباس إدريس جعفر يكتب حكومة جنوب كردفان: ثلاثة أعوام من العزلة تحت الحصار

عباس إدريس جعفر يكتب
حكومة جنوب كردفان: ثلاثة أعوام من العزلة تحت الحصار
ثلاثة أعوام كاملة مضت، وولاية جنوب كردفان/جبال النوبة تعيش واحدة من أقسى فصول العزلة في تاريخها الحديث، عزلة فُرضت بفعل الحصار العسكري والأمني الذي أحكمته المليشيا المتمردة والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال (جناح الحلو)، فاختنقت الولاية اقتصادياً، وتقطعت أوصالها اجتماعياً، وتراجعت خدماتها الأساسية إلى أدنى مستوياتها.
لم تكن هذه العزلة مجرد حصار عسكري، بل كانت حصاراً مركباً طال الإنسان و الولاية قبل والي الولاية ، وحتي قبل الجغرافيا، واستهدف إرادة الحياة قبل خطوط الإمداد. ثلاث سنوات من الانقطاع شبه الكامل عن المركز، ومن شلل الحركة التجارية، وتعطل المؤسسات الخدمية الاساسية ، وتآكل الموارد، وانسداد أفق التنمية.
ولاية محاصرة وإنسان مُستنزف
في ظل هذا الواقع القاسي، عانى المواطن في جنوب كردفان معاناة مركبة:
انعدام السلع الأساسية وارتفاع أسعارها بصورة جنونية.
انهيار شبه كامل للخدمات الاساسية من (الصحية والتعليمية والمياه …..الخ).
تعثر صرف المرتبات وشح السيولة.
نزوح داخلي واسع وتدهور الوضع الإنساني.
أمام هذا المشهد، لم تعد الأزمة أزمة حكومة بصفة عامة ولا ازمة والي بصفة خاصة، بل تحولت إلى أزمة مجتمع كامل، يقاتل من أجل البقاء، ويتشبث بأمل هش ممثل في قيادة الولاية وعلي رأسهم بلا شك والي الولاية الصابر معهم والماسك علي الجمر طبعاً راجيا الخلاص من هذا الكابوس.
جراء ذلك الواقع المرير والذي جعل حكومة الولاية بين العجز والواجب
رغم محدودية الإمكانيات وضيق الخيارات، وجدت حكومة الولاية نفسها أمام اختبار أخلاقي وتاريخي بالغ القسوة: كيف تحكم ولاية معزولة، بلا موارد، ولا طرق، ولا إمدادات، في ظل حرب مفتوحة؟
صحيح أن الأداء الحكومي لم يكن بالمستوى المطلوب في كثير من الملفات، سواء على صعيد التخطيط أو إدارة الأزمات أو التواصل مع المواطنين، إلا أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن حكومة الولاية وعلي رأسها الوالي ،كانت تعمل في بيئة شبه مستحيلة، حيث تختلط التحديات الأمنية بالإنسانية بالاقتصادية في معادلة بالغة التعقيد.
ان الحصار كسلاح لإعادة تشكيل الواقع
لم يكن الحصار مجرد أداة ضغط عسكرية، بل استراتيجية لإعادة تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي في جنوب كردفان/جبال النوبة، عبر:
إنهاك المجتمع.
كسر إرادة الصمود.
خلق فراغ إداري وخدمي.
تغذية الانقسامات الاجتماعية.
وهو ما جعل فك الحصار ليس مطلباً إنسانياً فحسب، بل ضرورة سياسية وأمنية واستراتيجية.
ان الطريق إلى كسر هذه العزلة لم يكن بالشعارات، بل عبر:
فتح المسارات العسكرية والمسارات الإنسانية من اجل إعادة ربط الولاية بالمركز عبر طرق آمنة.
وتمكين الحكومة الولاية و المحلية بموارد حقيقية وصلاحيات واسعة.
بناء شراكات ذكية مع المنظمات الوطنية والدولية.
إشراك المجتمع المحلي في التخطيط وصنع القرار.
خاتمة
ثلاثة أعوام من العزلة كشفت هشاشة البنية الخدمية، لكنها في المقابل أظهرت صلابة حكومة الولاية وإنسان جنوب كردفان، الذي ظل صامداً في وجه الجوع والخوف والحرمان.
إن فك الحصار الذي تم و إنقاذ هذه الولاية ليس ترفاً سياسياً، بل واجب وطني وأخلاقي، لأن جنوب كردفان ليست هامشاً، بل قلب السودان النابض، وإذا استمر نزيفها، فإن الجرح سيطال في جسد الوطن كله
بقلم عباس ادريس جعفر




