المرأة السودانية: حين يسبق التاريخُ الجغرافيا وتكتب الكنداكات مستقبل الوطن د.أيمن محجوب عبد الله محمد
المرأة السودانية: حين يسبق التاريخُ الجغرافيا وتكتب الكنداكات مستقبل الوطن د.أيمن محجوب عبد الله محمد

المرأة السودانية: حين يسبق التاريخُ الجغرافيا وتكتب الكنداكات مستقبل الوطن
د.أيمن محجوب عبد الله محمد..
في كل عام يأتي اليوم العالمي للمرأة ليكون مناسبة للتأمل في سيرة النساء اللاتي صنعن التاريخ بصمتٍ وصبرٍ وعطاء. وعندما نتحدث عن المرأة في السودان فإننا لا نتحدث عن نصف المجتمع فحسب، بل عن روح الوطن نفسها؛ عن ذلك الكائن الذي ظل عبر الحقب الزمنية المختلفة عماد البيت، وذاكرة الأرض، وصوت الحكمة في الأزمات.
فالمرأة السودانية منذ فجر التاريخ كانت حاضرة في صناعة الحضارة. في الممالك القديمة كانت الملكات والأمهات يشكلن ركناً أساسياً في الحكم والمجتمع، يربين الأجيال ويزرعن القيم ويحمين تقاليد البلاد. وكانت المرأة في القرى على ضفاف النيل وفي البوادي الممتدة تحمل الماء وتزرع الأرض وتغني للحياة، وكأنها تختصر في حضورها قصة الصبر السوداني كله.
ومع بدايات القرن العشرين بدأت صفحة جديدة في تاريخ المرأة السودانية، حيث انطلقت مسيرة تعليمها مبكراً مقارنة بكثير من دول المنطقة. ففي عام 1907 بدأت خطوات تعليم الفتيات، ثم دخلت أولى الطالبات إلى الجامعة في ثلاثينيات القرن الماضي، لتبدأ بذلك رحلة طويلة من المشاركة الفكرية والعلمية في بناء المجتمع. ولم تمض سنوات قليلة حتى بدأت الحركة النسوية السودانية في التشكل، فتم تأسيس أول جمعية نسائية عام 1943، ثم تأسس الاتحاد النسائي السوداني عام 1952 ليصبح أحد أهم التنظيمات الاجتماعية التي ناضلت من أجل حقوق المرأة ومشاركتها في الحياة العامة.
وقد حققت المرأة السودانية إنجازاً مبكراً ومهماً عندما نالت حق التصويت والترشح في الانتخابات عام 1953، وهو إنجاز سبقت به كثيراً من نظيراتها في المنطقة. ولم يتوقف هذا التقدم عند حدود الحقوق السياسية فقط، بل امتد إلى الإعلام والثقافة، حيث صدرت أول صحيفة نسائية عام 1955، لتفتح الباب أمام صوت المرأة في المجال العام.
وجاء عام 1965 ليشكل محطة تاريخية فارقة عندما دخلت فاطمة أحمد إبراهيم البرلمان السوداني، لتصبح أول امرأة برلمانية في العالمين العربي والأفريقي، في خطوة جسدت ريادة المرأة السودانية في العمل السياسي. كما شهدت تلك العقود توسع حضور النساء في مؤسسات الدولة، فدخلن مجالات التعليم والطب والقضاء والخدمة المدنية، وتم تعيين أول قاضية سودانية وهي إحسان محمد فخري في سبعينيات القرن العشرين، كما وصلت النساء لاحقاً إلى رتب قيادية رفيعة في الجيش والشرطة.
ولم يكن دور المرأة السودانية مقتصراً على المؤسسات الرسمية، بل كان لها حضور بارز في محطات التغيير الوطني. فقد شاركت بقوة في ثورة أكتوبر 1964، وأسهمت في الحراك الشعبي الذي قاد إلى انتفاضة أبريل 1985، كما كانت في طليعة المشاركين في الثورة السودانية 2018، حيث عُرفت النساء في ساحات الاحتجاج بلقب “الكنداكات”، في استدعاء رمزي لتاريخ الملكات والمحاربات في الحضارة السودانية القديمة.
ورغم هذه المسيرة الحافلة بالإنجازات، ما تزال المرأة السودانية تواجه تحديات متعددة، من بينها محدودية تمثيلها في بعض المناصب القيادية العليا، خاصة في ظل الظروف السياسية والاقتصادية المعقدة التي تمر بها البلاد، إضافة إلى التحديات التي تواجه النساء في مناطق النزاعات. ومع ذلك، فقد حققت المرأة مكاسب قانونية مهمة، إذ كفل الدستور الانتقالي حقوقاً متساوية، مثل مبدأ الأجر المتساوي للعمل المتساوي، وحق منح الجنسية للأبناء، كما شهدت فترات مختلفة حضوراً نسوياً في مواقع قيادية ووزارية بارزة مثل نفيسة أحمد الأمين وفاطمة عبد المحمود.
أما جمال المرأة السودانية فليس مجرد جمال في الملامح، بل هو جمال في الروح والصلابة والكرامة. إنه جمال الأم التي تصنع الأجيال، والمعلمة التي تبني العقول، والطبيبة التي تعالج الجراح، والناشطة التي تدافع عن الحرية والعدالة. جمال يتجلى في قوة الشخصية، وفي الصبر على الشدائد، وفي القدرة على حمل الوطن في القلب حتى في أصعب الظروف.
لقد مرت على السودان أزمنة عصيبة، لكن المرأة السودانية ظلت دائماً حاضرة في الصفوف الأولى: في البيت، وفي المدرسة، وفي المستشفى، وفي ساحات النضال. ولهذا فإن الاحتفاء بها في اليوم العالمي للمرأة ليس مجرد احتفاء رمزي، بل هو اعتراف بتاريخ طويل من العطاء والعمل العام والنضال من أجل مجتمع أكثر عدلاً وكرامة.
وستظل المرأة السودانية، كما كانت دائماً، جزءاً أصيلاً من مسيرة الوطن نحو الديمقراطية والسلام الاجتماعي، قائدة وناشطة ومهنية ومربية للأجيال، تثبت في كل مرحلة من التاريخ أن نهضة الأمم لا تكتمل إلا بحضور نسائها.
وإذا كان لكل وطن كنزه الحقيقي، فإن كنز السودان الأكبر سيظل دائماً هو المرأة السودانية؛ تلك التي عبرت كل الحقب الزمنية بثبات، وظلت رغم كل شيء رمزاً للجمال والقوة والوفاء.




